نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{إِنِّي تَوَكَّلۡتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمۚ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلَّا هُوَ ءَاخِذُۢ بِنَاصِيَتِهَآۚ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ} (56)

فكأنه{[39479]} قيل : هب أن آلهتنا لا شيء ، فما حملك على الاجتراء على مخالفتنا نحن وأنت تعلم كثرتنا وقوتنا وأنت لا تزيد على أن تكون{[39480]} واحداً منا فقال : { إني } أي جسرت{[39481]} على ذلك لأني { توكلت } معتمداً{[39482]} { على الله } الملك المرهوب عقابه الذي لا ملك سواه ولا رب غيره ؛ وبين إحاطة ملكه بقوله : { ربي وربكم } أي الذي أوجدنا ودبر أمورنا قبل أن يخلقنا{[39483]} فعلم ما يعمل{[39484]} كل منا في حق الآخرة لأنه { ما من دابة } أي صغرت أو كبرت { إلا هو آخذ } أي أخذ قهر{[39485]} وغلبة { بناصيتها } أي قادر عليها ، وقد صار الأخذ بالناصية عرفاً في القدرة ، لأن الكل جارون{[39486]} مع مراده لا مع مرادهم بل لا ينفك أحد عن كراهة لبعض ما هو فيه فدل ذلك قطعاً على أنه بغير مراده وإنما هو بمراد قاهر قهره على ذلك وهو الملك الأعلى سبحانه ؛ والناصية : شعر{[39487]} مقدم الرأس ، ومن{[39488]} أخذ بناصيته فقد انقاد لأخذه لا يستطيع ميلاً { إن } أي لأن { ربي } أي المحسن إليّ بما أقامني فيه { على صراط } أي طريق واسع بين { مستقيم* } ظاهر أمره لكل أحد لا لبس فيه أصلاً ولا خلل ولا اضطراب ولا اعوجاج{[39489]} بوجه ، فلذلك كان كل من في الكون يتألهه ويدعو ويخافه{[39490]} ويرجوه وإن اتخذ بعضهم من دونه شركاء ، وأما ما يعبد من دونه فلا يعظمه إلا عابده ، وأما غير عابده فإنه لا يقيم له وزناً ؛ فصح بهذا أنه غالب على كل شيء غلبة{[39491]} يعلمها كل موجود من غير خفاء أصلاً ، فهو مرجو مرهوب بإجماع العقلاء بخلاف معبوداتكم ، والحاصل أنه يلزم الصراط{[39492]} المستقيم الظهور ، فيلزم عدم الاختلاف لانتفاء اللبس ، فمن كان عليه كان عليّ{[39493]} القدر شهير الأمر ، بصيراً بما يريد ، مع الثبات والتمكن ، مرهوب العاقبة ، مقصوداً بالاتباع والمحبة ، من لم يقبل إليه ضل ، ومن أعرض عنه أخذ لكثرة أعوانه وعز سلطانه ، فظهرت قدرته على عصمة من يتوكل عليه وعجز معبوداتهم معهم ، لأن نواصي الكل بيده وهو ربها وربهم ورب كل شيء ، فقد انطبق ختام الآية على قولهم { ما جئتنا ببينة } رداً له لأن من كان على صراط مستقيم لم يكن شيء أبين من أمره ، وعلى جوابه في توكله وما في حيزه أتم انطباق ؛ والناصية : مقدم الشعر من الرأس ، و{[39494]} أصلها الاتصال{[39495]} من قولهم : مفازة تناصي مفازة - إذا كانت متصلة بها .


[39479]:في ظ: فكان.
[39480]:من ظ ومد، وفي الأصل: يكون.
[39481]:من ظ ومد، وفي الأصل: حرب.
[39482]:في مد: متعمدا.
[39483]:من مد، وفي الأصل: نخلقها، وفي ظ: يخلقها.
[39484]:في ظ: يعلم.
[39485]:من ظ ومد، وفي الأصل: قهرا.
[39486]:في ظ: جبارون.
[39487]:من ظ ومد، وفي الأصل: صفة.
[39488]:من ظ ومد، وفي الأصل: ممن.
[39489]:في ظ: عوج.
[39490]:في ظ: يخالفه.
[39491]:زيد من ظ ومد.
[39492]:سقط من مد.
[39493]:سقط من ظ.
[39494]:سقط ما بين الرقمين من ظ ومد.
[39495]:في ظ ومد: الإيصال.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{إِنِّي تَوَكَّلۡتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمۚ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلَّا هُوَ ءَاخِذُۢ بِنَاصِيَتِهَآۚ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ} (56)

قوله : { إني توكلت على الله ربي وربكم } { توكلت } ، من التوكل وهو إظهار العجز والاعتماد على غيرك ، والاسم : التكلان ، اتكل على الله توكيل عليه ؛ أي استسلم إليه{[2113]} ؛ أي فوضت أمري إلى الله ، واستسلمت لجلاله فهو مالكي ومالككم وهو يكلأني من شركم وإيذائكم . ويدرأ عني مكركم وسوءكم .

قوله { ما من دابة إلا هو أخذ بناصيتها } الناصية ، مقدم الرأس ، أو شعر مقدم الرأس إذا طال ، وجمعه : النواصي ، والناصيات .

ويقال : أذل فلان ناصية فلان : أهانه وحط من قدره ، وفلان ناصية قومه : شريفهم . قال الرازي في هذا الصدد . اعلم أن العرب إذا وصفوا إنسانا بالذلة والخضوع ، قالوا : ما ناصية فلان غلا بيد فلان ؛ أي أنه مطيع له ؛ لأن كل من أخذت بناصيته فقد قهرته . وكانوا إذا أسروا الأسير فأردوا إطلاقه والمن عليه جزوا ناصيته ليكون ذلك علامة لقهره . فخوطبوا في القرآن بما يعرفون . فقوله : { وما من دابة إلا هو أخذ بناصيتها } أي ما من حيوان إلا وهو تحت قهره وقدرته ومنقاد لقضائه وقدره{[2114]} .

قوله : { أن ربي على صراط مستقيم } صراط الله ، طرقه ومنهجه ، الذي يدعو الناس لاتباعه دون مجانية أو تفريط ؛ فهو المنهج الحق الذي يقضي بين العباد بالعدل والاستقامة{[2115]} .


[2113]:مختار الصحاح ص 734 والمعجم الوسيط جـ 2 ص 1054.
[2114]:مختار الصحاح ص 664 والمعجم الوسيط جـ 2 ص 927 وتفسير الرازي جـ 18 ص 14.
[2115]:تفسير الرازي جـ 18 ص 14 وتفسير القرطبي جـ 9 ص 51- 53.