نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{أَفَأَصۡفَىٰكُمۡ رَبُّكُم بِٱلۡبَنِينَ وَٱتَّخَذَ مِنَ ٱلۡمَلَـٰٓئِكَةِ إِنَٰثًاۚ إِنَّكُمۡ لَتَقُولُونَ قَوۡلًا عَظِيمٗا} (40)

ثم التفت إليهم مخاطباً بما دل على تناهي الغضب فقال : { أفأصفاكم ربكم } أي أخلق المحسن إليكم بنين وبنات فأصفاكم إحساناً إليكم وأنتم تكفرون به { بالبنين } الذين هم أفضل صنفي الأولاد ، { و } لم يحسن إلى نفسه بأن شارككم في البنين ، بل { اتخذ } عبر بالافتعال لأن من عدل إلى أحد الصنفين مع التمكن من الآخر لا يكون إلا شديد الرغبة فيما عدل إليه { من الملائكة } الذين هم أقرب عباده أولاداً ، ثم ما كفاه نقص الولدية ومعالجة أسبابها حتى جعل ما اتخذه { إناثاً } فرضي لنفسه - وهو إلهكم الخالق الرازق - بما لا ترضونه لأنفسكم ، ووصلتم في كراهته في بعض الحالات إلى القتل ، فصار مشاركاً لكم في البنات مخصصاً لكم دونه بالبنين ، وذلك خلاف عادتكم ، فإن العبيد لا يؤثرون بالأجود ويكون الأدون للسادات ، وعبر أولاً بالبنين دون الذكور لأن اسم الابن ألذ في السمع ، مرض لمن بشر به من غير نظر في العاقبة ، وقد يكون أنثى الأفعال ، ولأن اسم الذكر مشترك المعنى ، وعبر في الثاني بالإناث لإفهام الرخاوة بمدلول اللفظ ، ولأنهن بنات بالمعادلة ، ويمكن أن تنزل الآية على الاحتباك ، فيكون التقدير : بالبنين ورضي لنفسه بالبنات ، وخصكم في نوعكم الذي هو أضعف ما يكون بالذكور ، واتخذ من الملائكة الذين منهم من يقدر على حمل الأرض وقلب أسفلها على أعلاها إناثاً في غاية الرخاوة ، ولذلك استأنف الإنكار عليهم معظماً لذلك بقوله تعالى : { إنكم لتقولون } وأكده لما لهم من التهاون له والاجتراء عليه بقوله تعالى : { قولاً } وزاد في ذلك بقوله : { عظيماً * } أي في الجهل والإفك ، عليه وعلى ملائكة الذين لا يعصونه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ، فتضيفون إليه الأولاد وهم من خصائص الأجسام ثم تفضلون أنفسكم عليه فتجعلون له ما تكرهون .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{أَفَأَصۡفَىٰكُمۡ رَبُّكُم بِٱلۡبَنِينَ وَٱتَّخَذَ مِنَ ٱلۡمَلَـٰٓئِكَةِ إِنَٰثًاۚ إِنَّكُمۡ لَتَقُولُونَ قَوۡلًا عَظِيمٗا} (40)

قوله تعالى : { أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا إنكم لتقولون قولا عظيما } ذلك تنديد غليظ من الله جل وعلا بالمشركين السفهاء الذين قالوا : الملائكة بنات الله . وهذه المقالة وحدها بالغة الفظاعة والنكر ؛ فهم بذلك متلبسون بالشرك غاية التلبس مع أنهم لا يرضون البنات لأنفسهم ؛ إذ كانوا ينتغصون من ولادتهن ويتحجرون من جيئتهن تحرجهم المخزي ؛ بل كانوا لا يتورعون عن وأدهن في الثرى . فقال الله لهم موبخا : ( أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا ) الهمزة للاستفهام الإنكاري ؛ إذ يقول لهم الله مستنكرا : أتجعلون لأنفسكم ما تحبون ، ولله ما تبغضون ؟ أفترضون لله ما لا ترضون لأنفسكم ؟ !

إنكم بقيلكم الظالم هذا إنما تفترون على الله أفظع افتراء ، وتكذبون عليه أشد الكذب .