نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{يُلۡقُونَ ٱلسَّمۡعَ وَأَكۡثَرُهُمۡ كَٰذِبُونَ} (223)

وهؤلاء الأثمة { يلقون السمع } إلى الشياطين ، ويصغون إليهم غاية الإصغاء ، لما بينهما من التعاشق بجامع إلقاء الكذب من غير اكتراث ولا تحاش ، أو يلقي الشياطين ما يسمعونه مما يسترقون استماعه من الملائكة إلى أوليائهم ، فهم بما سمعوا منهم يحدثون ، وبما زينت لهم نفوسهم يخلطون { وأكثرهم } أي الفريقين { كاذبون* } فيما ينقلونه عما يسمعونه من الإخبار بما حصل فيما وصل إليهم من التخليط ، وما زادوه من الافتراء والتخبيط انهماكاً في شهوة علم المغيبات ، الموقع في الإفك والضلالات ؛ قال الرازي في اللوامع ما معناه أنه حيثما كان استقامة في حال الخيال - أي القوة المتخيلة - كانت منزلة الملائكة ، وحيثما كان اعوجاج في حال الخيال كان منزل الشياطين ، فمن ناسب الروحانيين من الملائكة كان مهبطهم عليه ، وظهورهم له ، وتأثيرهم فيه ، وتمثلهم به ، حتى إذا ظهروا عليه تكلم بكلامهم وتكلموا بلسانه ، ورأى بأبصارهم وأبصروا بعينيه ، فهم ملائكة يمشون على الأرض مطمئنين

( إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة }[ فصلت : 30 ] ومن ناسب الشياطين من الأبالسة كان مهبطهم عليه ، وظهورهم له ، وتأثيرهم فيه ، وتمثلهم به ، حتى إذا ظهروا عليه تكلم بكلامهم وتكلموا بلسانه ، ورأى بأبصارهم وأبصروا بعينيه ، هم شياطين الإنس يمشون في الأرض مفسدين - انتهى .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{يُلۡقُونَ ٱلسَّمۡعَ وَأَكۡثَرُهُمۡ كَٰذِبُونَ} (223)

قوله تعالى : { هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ ( 221 ) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ ( 222 ) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ ( 223 ) وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ( 224 ) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ ( 225 ) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ ( 226 ) إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ } .

ذلك رد لمقالة الكافرين وزعمهم أن ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم قد افتعله من تلقاء نفسه . أو أنه أتاه به شيطان من الجن . لقد نزه الله عز وجل رسوله الأمين عما افتروه واصطنعوه من كذب بما يبين أنه { عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ ( 221 ) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ } الأفاك ، الكذاب . والأثيم ، كثير الإثم . والمعنى : أن الشياطين إنما تنزل على كل كذوب شرير كثير الإثم من الناس الأشقياء كالكهنة الذين تأتيهم كفرة الجن . بما يسترقونه من أخبار السماء . لا جرم أن الكهنة من شرار البشر الذين ضلوا ضلالا مبينا وأضلوا كثيرا من الناس بضلالهم ودجلهم وفساد قلوبهم وعقولهم . فأولئك هم الأفاكون الآثمون الذين تنزل عليهم الشياطين والذين { يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ } أي يسترقون السمع من السماء فيسمعون الكلمة ، ويزيدون عليها أضعافا مضاعفة ، ثم يلقونها إلى أوليائهم من أشقياء البشر ليحدثوا الناس بها فيصدقوهم في كل ما قالوه جهلا وسفها . ولذلك فإن أكثر هؤلاء الكهان كاذبون فيما يقولونه أو يحدثون به الرعاع والجهلة والسفهاء من الناس . وحاشا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، النبي الصدوق الأمين ، أن يضله جني أو شيطان أو يدنو منه أيما دنو .

وأنى لهذا الكلام الرباني العاطر الفذ ، الذي يتلوه النبي صلى الله عليه وسلم على البشر أن يكون من اصطناع الجن ، وهو أحسن الحديث ، وخير ما سمعت به الخلائق والثقلان ، بما يتجلى من مزايا السمو والكمال والجمال ، سواء في الألفاظ والمباني ، أو في الأحكام والأخبار والمعاني . إن ذلكم لهو الإعجاز الذي لا يدانيه إعجاز .

والذين { يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ } أي يسترقون السمع من السماء فيسمعون الكلمة ، ويزيدون عليها أضعافا مضاعفة ، ثم يلقونها إلى أوليائهم من أشقياء البشر ليحدثوا الناس بها فيصدقوهم في كل ما قالوه جهلا وسفها . ولذلك فإن أكثر هؤلاء الكهان كاذبون فيما يقولونه أو يحدثون به الرعاع والجهلة والسفهاء من الناس . وحاشا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، النبي الصدوق الأمين ، أن يضله جني أو شيطان أو يدنو منه أيما دنو .

وأنى لهذا الكلام الرباني العاطر الفذ ، الذي يتلوه النبي صلى الله عليه وسلم على البشر أن يكون من اصطناع الجن ، وهو أحسن الحديث ، وخير ما سمعت به الخلائق والثقلان ، بما يتجلى من مزايا السمو والكمال والجمال ، سواء في الألفاظ والمباني ، أو في الأحكام والأخبار والمعاني . إن ذلكم لهو الإعجاز الذي لا يدانيه إعجاز .