نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{قُلۡ أَتَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَمۡلِكُ لَكُمۡ ضَرّٗا وَلَا نَفۡعٗاۚ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ} (76)

ولما نفى عنهما الصلاحية لرتبة الإلهية للذات ، أتبعها نفي ذلك من حيث الصفات ، فقال منكراً مصرحاً بالإعراض عنهم إشارة إلى أنهم ليسوا أهلاً للإقبال عليهم : { قل } أي للنصارى أيها الرسول{[27151]} الأعظم { أتعبدون }{[27152]} ونبه على أن كل شيء دونه ، وأنهم اتخذوهم وسيلة إليه بقوله : { من دون الله{[27153]} } ونبه بإثبات الاسم الأعظم{[27154]} على أن له جميع الكمال ، وعبر عما عبدوه بأداة{[27155]} ما لا يعقل تنبيهاً على أنه سبحانه هو{[27156]} الذي أفاض عليه{[27157]} ما رفعه عن ذلك الحيز{[27158]} ، ولو شاء لسلبه عنه فقال : { ما لا يملك لكم ضراً } أي من نفسه فتخشوه { ولا نفعاً } أي فترجوه ، ليكون لكم نوع عذر أو شبهة ، ولا هو سميع يسمع كل ما يمكن سمعه بحيث{[27159]} يغيث المضطر إذا استغاث به في أيّ{[27160]} مكان كان ولا عليم يعلم كل ما يمكن علمه بحيث يعطي على حسب ذلك ، وكل ما يملك من ذلك فبتمليك{[27161]} الله له كما ملككم من ذلك ما شاء .

ولما نفى عنه ما ذكر تصريحاً وتلويحاً ، أثبته لنفسه المقدسة كذلك فقال : { والله } أي والحال أن الملك الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلى والكمال كله { هو } أي خاصة { السميع العليم * } وهو وحده الضار النافع ، يسمع منكم هذا القول ويعلم هذا المعقد{[27162]} السيىء ، وإنما قرن بالسميع العليم ، دون البصير لإرادة التهديد لمن عبد غيره ، لأن العبادة قول أو فعل ، {[27163]} ومن الفعل{[27164]} ما محله القلب وهو الاعتقاد ، ولا يدرك بالبصر بل بالعلم ، والآية - كما ترى - من الاحتباك : دل بما أثبته لنفسه على سبيل القصر{[27165]} على نفيه في الجملة الأولى عن غيره ، وبما نفاه في الجملة الأولى عن غيره على إثباته له - والله الموفق .


[27151]:في ظ: الرسل.
[27152]:تكرر ما بين الرقمين في الأصل، وسقط " من دون الله" من ظ، وزيد بعده في الأصل: أي ولم تكن الزيادة في ظ فحذفناها.
[27153]:تكرر ما بين الرقمين في الأصل، وسقط " من دون الله" من ظ، وزيد بعده في الأصل: أي ولم تكن الزيادة في ظ فحذفناها.
[27154]:سقط من ظ.
[27155]:في ظ: مناداة.
[27156]:تقدم في ظ على " سبحانه".
[27157]:في ظ: إليه.
[27158]:في ظ: الخبر.
[27159]:من ظ، وفي الصل: بعيشه.
[27160]:زيد من ظ.
[27161]:سقط من ظ.
[27162]:في ظ: العقد.
[27163]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[27164]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[27165]:زيد من ظ.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{قُلۡ أَتَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَمۡلِكُ لَكُمۡ ضَرّٗا وَلَا نَفۡعٗاۚ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ} (76)

قوله تعالى : { قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا والله هو السميع العليم ( 76 ) قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل } ذلك توبيخ من الله للنصارى عقب التعجيب من أحوالهم وفعالهم والمراد بالذي لا يملك الضر والنفع هو عيسى عليه الصلاة والسلام . ومعنى الآية : أتعبدون عيسى وهو كأحدكم لا يملك أن يضركم بمثل ما يضركم الله من البلايا والمصائب والنوائب في الأنفس والأموال . وهو كذلك لا يملك أن ينفعكم بمثل ما ينفعكم به الله من السعة في الرزق والصحة في البدن ونحو ذلك مما ليس في مقدور عيسى أن يفعله ، بل الله وحده قادر على كل شيء . وفي ذلك دليل قاطع ومكشوف على أن أمر عيسى مناف للربوبية . إذ لا يملك لأحد ضرا ولا نفعا . ومن صفات الرب الخالق أنه قادر على فعل كل شيء . وما من شيء إلا هو ضمن إرادته ومقدوره .

قوله : { والله هو السميع العليم } الجملة حالية متعلقة بقوله : { أتعبدون } وهي تتضمن توبيخا فيه وعيد للنصارى لتفريطهم في حق الله واتخاذهم عيسى وأمه إلهين من دونه . وتقدير المعنى : كيف تعبدون غير الله وتشركون معه من لا يقدر على شيء وأنتم تعلمون أن الله وحده مختص بالإحاطة بكل معلوم ومسموع . بل إن الله وحده يسمع ويعلم كل ما يدب أو يجري في العالمين .