التفسير الحديث لدروزة - دروزة  
{قَالَ بَلۡ فَعَلَهُۥ كَبِيرُهُمۡ هَٰذَا فَسۡـَٔلُوهُمۡ إِن كَانُواْ يَنطِقُونَ} (63)

{ ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين ( 51 ) إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل 1 التي أنتم لها عاكفون ( 52 ) قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين ( 53 ) قال لقد كنتم أنتم وآباءكم في ضلال مبين ( 54 ) قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين 2 ( 55 ) قال بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن 3 وأنا على ذلكم من الشاهدين ( 56 ) وتا الله لأكيدن أصنامكم 4 بعد أن تولوا مدبرين ( 57 ) فجعلهم جذاذا 5 إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون ( 58 ) قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين 6 ( 59 ) قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم ( 60 ) قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون ( 61 ) قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم ( 62 ) قال بل فعله كبيرهم هذا فسألوه إن كانوا ينطقون 7 ( 63 ) فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون ( 64 ) ثم نكسوا على رؤوسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون ( 65 ) قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم 66 أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون ( 67 ) قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين ( 68 ) قلنا ينار كوني بردا وسلاما على إبراهيم ( 69 ) وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين ( 70 ) ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين ( 71 ) ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة 8 وكلا جعلنا صالحين ( 72 ) وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين ( 73 ) } [ 51-73 ] .

تعليق على قصة إبراهيم عليه السلام

مع قومه في هذه السورة .

وهذه حلقة ثانية فيها قصة إبراهيم مع قومه ، وعبارتها واضحة . وجل ما فيها جاء في سور الصافات والشعراء ومريم وهود والأنعام ، وعلقنا عليه بما يغني عن تعليق جديد . وواضح من أسلوبها أنها سيقت لتذكير العرب بما كان من سخف قوم إبراهيم باتخاذ الأصنام وبما كان من حجته القوية عليهم وتنجية الله إياه من نارهم وعنايته به وبلوط وبإسحق ويعقوب الذين وهبهم له لما كانوا عليه من صلاح وتقوى وهدى .

وهذه الحلقة هي أطول حلقات السلسلة . والمتبادر أن حكمة ذلك متصلة بما كان العرب يتداولونه من نسبهم إلى إبراهيم وملته ؛ حيث اقتضت حكمة التنزيل دمغهم بالحجة فيها .

والجديد في القصة ذكر تنجية لوط مع إبراهيم إلى الأرض التي بارك الله فيها . وقد ذكر خروج لوط مع إبراهيم عليهما السلام من حاران في الإصحاح الثاني عشر من سفر التكوين المتداول اليوم مع أن قصة إبراهيم مع قومه لم تذكر فيه . وقد يؤيد هذا ما قلناه قبل من أن قصص إبراهيم عليه السلام مع قومه التي لم ترد في سفر التكوين المتداول اليوم قد ورد في أسفار وقراطيس كان اليهود يتداولونها في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ولم تصل إلينا .

ولقد تعددت الروايات التي يرويها المفسرون عن الأرض المقصودة في جملة { التي بركنا فيها } منها أنها الشام ، ومنها أنها مكة ، والذين قالوا القول الأول قالوا : إن إبراهيم ذهب منها إلى فلسطين . والإصحاح المذكور آنفا من سفر التكوين ذكر أنه ذهب إلى أرض كنعان بأمر الله وهي ما يعرف اليوم بفلسطين .

ولقد أورد المفسرون روايات عديدة على هامش قصة إبراهيم في سياق هذه الآيات معزوة إلى ابن عباس وابن إسحاق وغيرهم أوردوا معظمها في سياق آيات قصص إبراهيم في السور المذكورة آنفا . ومما أوردوه في سياق العبارات الجديدة في هذه الحلقة ولم نورده سابقا أن القوم ذهبوا إلى عيد لهم بعد أن وضعوا الطعام أمام أصنامهم فاغتنم إبراهيم الفرصة وتمارض وأقسم ليكيدن أصنامهم ، وأن أحد الأشخاص سمعه فوشى به ، وأن إبراهيم علق الفأس التي حطم بها الأصنام في عنق كبيرها وقال لقومه فيما قال : إن هذا الكبير غضب من عبادتكم للصغار معه فحطمها . وإن الذي أمر بتحريقه رجل من أكراد فارس ، وإن كل شيء اشترك في إطفاء النار عدا الوزغ الذي كان ينفخ فيها ؛ حيث يسوغ القول : إن هذه البيانات أيضا مما كان متداولا في بيئة النبي صلى الله عليه وسلم وليس لها مصدر إلا اليهود وما كان في أيديهم من قراطيس .

ولقد عللنا في سياق تفسير سورتي ص وهود ذكر إسحق ويعقوب فقط مع إبراهيم مع أن إسحق ليس هو الولد البكر ولا الوحيد لإبراهيم ، ومع أن يعقوب ليس هو الولد البكر ولا الوحيد لإسحق عليهم السلام جميعا ، فلا نرى ضرورة للإعادة و الزيادة في هذا الموضوع بمناسبة وروده في هذه الآيات أيضا .

ومن مواضع العبرة في الحلقة حكاية موقف إبراهيم الشديد من وثنية قومه وأوثانهم المشابه لموقف النبي صلى الله عليه وسلم وعناية الله به وتنجيته من النار لما كان من إخلاصه وصلاحه ورشده . وهبة الله له بسبب ذلك إسحاق ويعقوب وجعلهما أئمة يهدون بأمر الله ويفعلون الخير ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وإخلاصهم لله تعالى في الإيمان والعبادة ، وفي كل ذلك دعوة مستمرة إلى التأسي بهم .

ولقد روى البغوي في سياق هذه الآيات عن أم شريك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الوزغ وقال : إنه كان ينفخ النار على إبراهيم . وفي ذيل الصفحة 90 من الجزء الثالث من التاج ذكر المؤلف أن هناك حديثا رواه البخاري في بدء الخلق عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( اقتلوا الوزغ فإنه كان ينفخ على نار إبراهيم ) ؛ حيث ينطوي في هذا توافق ما كان يتداوله الناس في زمن النبي على ما ذكرناه آنفا ، وهناك حديثان نبويان آخران يأمر النبي صلى الله عليه وسلم فيهما بقتل الوزغ بدون ذكر علاقة ذلك بقصة إبراهيم عليه السلام أحدهما رواه البخاري ومسلم والترمذي عن سعد جاء فيه ( إن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الوزغ وسماه : فويسقا ) . وثانيهما رواه مسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من قتل وزغة في أول ضربة فله كذا وكذا حسنة ، ومن قتلها في الضربة الثانية فله كذا كذا حسنة لدون الأولى . ومن قتلها في الضربة الثالثة فله كذا وكذا حسنة لدون الثانية ){[1362]} .


[1362]:التاج ج 3 ص 900 -91.