غرائب القرآن ورغائب الفرقان للحسن بن محمد النيسابوري - النيسابوري- الحسن بن محمد  
{قَالَ بَلۡ فَعَلَهُۥ كَبِيرُهُمۡ هَٰذَا فَسۡـَٔلُوهُمۡ إِن كَانُواْ يَنطِقُونَ} (63)

{ فقال بل فعله كبيرهم } وقوله { هذا } صفة كبيرهم .

زعم الطاعنون في عصمة الأنبياء أن هذا القول من إبراهيم كذب وأكدوا قولهم بما جاء في الحديث " إن إبراهيم لم يكذب إلا ثلاث كذبات " وللعلماء في جوابهم طريقان : أحدهما تسليم أنه كذب ولكنهم قالوا : الكذب ليس قبيحاً لذاته وإنما يقبح لاشتماله على مفسدة . وقد يحسن الكذب إذا اشتمل على مصلحة كتخليص نبي ونحوه ، وزيف هذا الطريق بأنا لو جوزنا أن يكذب النبي لمصلحة لبطل الوثوق بالشرائع ، فلعل الأنبياء أخبروا عما أخبروا لمصلحة المكلفين في باب المعاش مع أنه ليس للمخبر عنه وجود كما في الواقع . الطريق الثاني وعليه جمهور المحققين المنع من أنه كذب وبيانه من وجوه : الأول أنه من المعاريض التي يقصد بها الحق وهو إلزام الخصم وتبكيته كما لو قال لك صاحبك وقد كتبت كتاباً بخط في غاية الحسن ، أنت كتبت هذا وصاحبك أمي لا يحسن الخط فقلت له : بل كتبته أنت . كان قصدك بهذا الجواب تقريره لك مع استهزاء به لا نفيه عنك وإثباته للأمي . الثاني أن إبراهيم عليه السلام غاظته تلك الأصنام حين أبصرها مصطفة مزينة ، وكأن غيظ كبيرها أشد لما رأى من زيادة تعظيمهم له فأسند الفعل إليه لأنه هو الذي تسبب لاستهانته بها . الثالث أن يكون ذلك حكاية لما يؤل إليه مذهبهم كأنه قال : ما تنكرون أن يفعله كبيرهم فإن من حق من يعبدو يدعى إلهاً أن يقدر على أمثال هذه الأفعال ، ويؤيد هذا الوجه ما يحكى أنه قال { فعله كبيرهم هذا } غضب أن تعبد معه هذه الصغار ، الرابع ما يروى عن الكسائي أنه كان يقف عند قوله { بل فعله } ثم يبتدئ { كبيرهم هذا } أي فعله من فعله . الخامس عن بعضهم أنه يقف عند قوله { كبيرهم هذا فاسئلوهم } وأراد بالكبير نفسه لأن الإنسان أكبر من كل صنم . السادس أن في الكلام تقديماً وتأخيراً والتقدير " بل فعله كبيرهم هذا إن كانوا ينطقون فاسألوهم " . فيكون إضافة الفعل إلى كبيرهم مشروطاً بكونهم ناطقين ، فلما لم يكونوا ناطقين امتنع أن يكونوا فاعلين ، السابع قراءة محمد بن السميفع { فعله كبيرهم } بالتشديد أي فلعل الفاعل { كبيرهم } وفيه تعسف . وأما قول إبراهيم عليه السلام { إني سقيم } فلعله كان به سقم قليل وسوف يجيء تمام البحث فيه . وأما قوله لسارة " إنها أختي " فالمراد أنها أخته في الدين فلم يكن وقتئذ على وجه الأرض مسلم سواهما .

/خ91