الدر المصون في علم الكتاب المكنون للسمين الحلبي - السمين الحلبي  
{وَيُنذِرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدٗا} (4)

وكما حَذَفَ المُنْذِرُ وأَتَى بالمُنْذَرِ به هنا ، حَذَفَ المُنْذَرَ به وأتى بالمُنْذَر في قوله { وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُواْ } [ الكهف : 4 ] فَحَذَفَ الأولَ مِنَ الأولِ لدَلالةِ ما في الثاني عليه ، وحذَفَ الثاني مِنَ الثاني لدلالةِ ما في الأوَّلِ عليه ، وهو في غايةِ البلاغةِ ، ولمَّا تتكررِ البِشارةُ ذَكَرَ مفعوليها فقال : { وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً } .

/خ4

ووَجهُ أبي بكرٍ : أنه سَكَّن الدالَ تخفيفاً كتسكين عين " عَضُد " والنونُ ساكنةٌ ، فالتقى ساكنانِ فكسَرَ النونَ لالتقاءِ الساكنين ، وكان حقُّه أن يكسِرَ الأولَ على القاعدةِ المعروفةِ إلا أنَّه يَلْزَمُ منه العَوْدُ إلى ما فَرَّ منه ، وسيأتي لتحقيق هذا بيانٌ في قولِه { وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ } [ الآية : 52 ] في سورة النور ، فهناك نتكلَّم فيه ، ولمَّا كَسَر النونَ لِما ذكرْتُه لك كَسَرَ الهاءَ إتْباعاً على قاعدته ووَصَلَها بياء . وأَشَمَّ الدالَ إشارةً إلى أصلِها في الحركة .

والإِشمامُ هنا عبارةٌ عن ضَمِّ الشفتين مِنْ غير نطق ، ولهذا يختصُّ به البصيرُ دونَ الأَعمى ، هكذا قرَّره القراءُ وفيه نَظَرٌ ، لأنَّ الإِشمامَ المشارَ إليه إنما يتحقَِّقُ عند الوقفِ على آخرِ الكلمةِ فلا يليق إلا بأنْ يكونَ إشارةً إلى حركةِ الحرفِ الأخيرِ المرفوعِ إذا وُقف عليه نحو : " جاء الرجل " ، وهكذا ذكره النحويون . وأمَّا كونُه يُؤْتى به في وَسَط الكلمةِ فلا يُتَصَوَّرُ إلا أَنْ يقفَ المتكلمُ على ذلك الساكنِ ثم يَنْطِقَ بباقي الكلمة . وإذا جَرَّبْتَ نُطْقَك في هذا الحرفِ الكريم وَجَدْتَ الأمرَ كذلك ، لا تَنْطِقُ بالدالِ ساكنةً مشيراً إلى ضمِّها إلا حتى تقفَ عليها ، ثم تأتي بباقي الكلمةِ .

فإن قلتَ : إنما اتي بالإِشارةِ إلى الضمةِ بعد فراغي من الكلمة بأَسْرِها . قيل لك : فاتَتِ الدلالةُ على تعيينِ ذلك الحرفِ المشارِ إلى حركتِه . ويمكن أَنْ يُجابَ عن هذا بأنه ليس في الكلمة ما يَصْلُح اَنْ يُشارَ إلى حركتِه إلا الدالُ . وقد تقدَّم في " يوسف " أن الإِشمامَ في { لاَ تَأْمَنَّا } [ الآية : 11 ] إذا فسَّرْناه بالإِشارةِ إلى الضمة : منهم مَنْ يفعلُه قبل كمالِ الإِدغام ، ومنهم مَنْ يفعلُه بعده ، وهذا نظيرُه . وتقدَّم أنَّ الإِشمامَ يقع بإزاء معانٍ أربعةٍ تقدَّم تحقيقُها .

و { مِّن لَّدُنْهُ } متعلق ب " لِيُنْذِرَ " / . ويجوز تعلُّقُه بمحذوفٍ نعتاً ل " بَأْساً " ويجوز أَنْ يكونَ حالاً من الضميرِ في " شديداً " .

وقُرِئ " ويُبَشِّرُ " بالرفعِ على الاستئنافِ .