الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَلَا تُعۡجِبۡكَ أَمۡوَٰلُهُمۡ وَأَوۡلَٰدُهُمۡۚ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي ٱلدُّنۡيَا وَتَزۡهَقَ أَنفُسُهُمۡ وَهُمۡ كَٰفِرُونَ} (85)

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ولا تعجبك يا محمد أموال هؤلاء المنافقين وأولادهم... فإني إنما أعطيته ما أعطيته من ذلك لأعذّبه بها في الدنيا بالغموم والهموم، بما ألزمه فيها من المؤن والنفقات والزكوات وبما ينوبه فيها من الرزايا والمصيبات. وَتَزْهَقَ أنْفُسُهُمْ يقول: وليموت فتخرج نفسه من جسده، فيفارق ما أعطيته من المال والولد، فيكون ذَلك حسرة عليه عند موته ووبالاً عليه حينئذ ووبالاً عليه في الآخرة بموته، جاحدا توحيد الله ونبوّة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم.

النكت و العيون للماوردي 450 هـ :

قوله عز وجل: {وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الدُّنْيا} يحتمل ثلاثة أوجه:

أحدها: يعذبهم بحفظها في الدنيا والإشفاق عليها.

والثاني: يعذبهم بما يلحقهم منها من النوائب والمصائب.

والثالث: يعذبهم في الآخرة بما صنعوا بها في الدنيا عند كسبها وعند إنفاقها.

وحكى ابن الأنباري وجهاً رابعاً: أنه على التقديم والتأخير، وتقديره: ولا تعجبك أموالهم وأولادهم في الدنيا إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الآخرة...

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

يقول لا تحسبنَّ تمكينَ أهل النِّفاق مِنْ تنفيذ مرادهم، وتكثيرَ أموالهم إسداءَ معروف مِنَّا إليهم، أو إسباغَ إنعام مِنْ لَدُنَّا عليهم، إنما ذلك مَكْرٌ بهم، واستدراجٌ لهم، وإمهالٌ لا إهمال. وسيلقون غِبه عن قريب...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

وقد أعيد قوله: {وَلاَ تُعْجِبْكَ} لأنّ تجدد النزول له شأن في تقرير ما نزل له وتأكيده، وإرادة أن يكون على بال من المخاطب لا ينساه ولا يسهو عنه، وأن يعتقد أن العمل به مهمّ يفتقر إلى فضل عناية به، لا سيما إذا تراخى ما بين النزولين فأشبه الشيء الذي أهم صاحبه، فهو يرجع إليه في أثناء حديثه ويتخلص إليه، وإنما أعيد هذا المعنى لقوته فيما يجب أن يحذر منه...

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

ويحتمل أن يكون معنى الآية ولا تعجبك أيها الإنسان، والمراد الجنس، ووجه تكريرها تأكيد هذا المعنى وإيضاحه، لأن الناس كانوا يفتنون بصلاح حال المنافقين في دنياهم.

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

قد تقدم مثل هذا بنصه وهو الآية 55 من هذه السورة إلا أنه قال فيها [ولا أولادهم] وتفسيرهما واحد إلا أن زيادة «لا» في تلك الآية للنهي عن الإعجاب بكل من أموالهم وأولادهم على حدته، وهو يصدق بمن كان له إحدى الزينتين، والنهي في هذه عن الإعجاب بهما مجتمعتين، وهو أدعى إلى الإعجاب، وأعيد هذا النهي هنا لاقتضاء المقام له كاقتضائه هناك التأثير الذي يكون له في نفس التالي والسامع، ولأن السياق هنا في طائفة منهم غير الطائفة التي جاءت في السياق الأول...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

(ولا تعجبك أموالهم وأولادهم. إنما يريد اللّه أن يعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون).. والمعنى العام للآية قد سبق في السياق. أما مناسبة ورودها فتختلف. فالمقصود هنا ألا يقام وزن لأموالهم وأولادهم، لأن الإعجاب بها نوع من التكريم الشعوري لهم. وهم لا يستحقونه لا في الظاهر ولا في الشعور. إنما هو الاحتقار والإهمال لهم ولما يملكون...

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

وهم لا يفاخرون إلا بما آتاهم الله من مال وولد، ولا يستطيعون المفاخرة بمكارم، ولذا قال تعالى: {ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون85}.

تقدمت هذه الآية في هذه السورة عند الكلام على ما يتمناه المنافقون للمؤمنين، ومنع النبي صلى الله عليه وسلم من أن يقبل منهم نفقاتهم، فقد قال تعالى في ذلك: {وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون54}.

ونرى الآيتين متلاقيتين في المعنى والألفاظ، إلا في حرفين: أولهما- أنه هنا عبر (بالواو) فقال تعالى: {ولا تعجبك أموالهم وأولادهم} وفي الآية السابقة عبر (بالفاء) ولها مناسبتها، والثاني –أنه في هذه الآية لم تذكر (لا) بعد {أموالهم}، وفي الآية السابقة ذكرت لا وأيضا فالنص السابق "إنما يريد الله أن يعذبهم في الحياة الدنيا "وفي هذه الآية: {إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا}.

وإن هذا الاختلاف في الألفاظ هو تصريف القول الذي هو من أسباب الإعجاز البياني، كما قال تعالى: {وكذلك نصرف الآيات.105} (الأنعام).

فهل يعد هذا من التكرار؟ نقول إنه يكون من التكرار إذا كانت المناسبة التي ذكرت فيها الآيتان واحدة، أما إذا اختلفت المناسبة، فإنها تغير المقصود، وإذا تغير المقصود لا يكون المعنى واحدا من كل الوجوه.

وقد كانت المناسبة في الآية السابقة أن الله منع رسوله من أن يقبل منهم نفقات في الحروب، ومعاونات فيها، مهما تكن أموالهم كثيرة، وأنهم أعز نفرا، فالله هو الغني الحميد.

وأما المناسبة هنا فهي النهي عن الصلاة عليهم بسبب كفرهم، وتأكيد ذلك النهي عن الاستغفار لهم، وحلفهم الدائم، وقد كان يظن أن يكون مالهم وأولادهم توجب العطف، فبين الله تعالى أن ذلك كله لا يسوغ العطف عليهم، ولا رجاء الخير منهم...

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

...إنّ هذه الآية كنظيرتها التي مرّت في هذه السورة، وهي الآية 55 تشير إلى حقيقة، وهي أن هذه الإمكانيات والقدرات الاقتصادية والقوى الإنسانية للأشخاص الفاسدين ليست غير نافعة لهم فحسب، بل هي غالباً سبب لابتلائهم وتعاستهم، لأنّ أشخاصاً كهؤلاء لا هم يصرفون أموالهم في مواردها الصحيحة ليستفيدوا منها الفائدة البناءة، ولا يتمتعون بأبناء صالحين كي يكونوا قرة عين لهم ومعتمدهم في حياتهم. بل إنّ أموالهم تصرف غالباً في طريق الشهوات والمعاصي ونشر الفساد وتحكيم أعمدة الظلم والطغيان، وهي السبب في غفلتهم عن الله سبحانه وتعالى، وكذلك أولادهم في خدمة الظلمة والفاسدين، ومبتلين بمختلف الانحرافات الأخلاقية، وبذلك سيكونون سبباً في تراكم البلايا والمصائب.

غاية الأمر أنّ الذين يظنون أن الأصل في سعادة الإنسان هو الثروة والقوة البشرية فقط، أمّا كيفية صرف هذه الثروة والقوّة فليس بذلك الأمر المهم، تكون لوحة حياتهم مفرحة ومبهجة ظاهراً، إلاّ أنّنا لو اقتربنا منها واطلعنا على دقائقها، وعلمنا أنّ الأساس في سعادة الإنسان هو كيفية الاستفادة من هذه الإمكانيات والقدرات لعلمنا أنّ هؤلاء ليسوا سعداء مطلقاً...

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَلَا تُعۡجِبۡكَ أَمۡوَٰلُهُمۡ وَأَوۡلَٰدُهُمۡۚ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي ٱلدُّنۡيَا وَتَزۡهَقَ أَنفُسُهُمۡ وَهُمۡ كَٰفِرُونَ} (85)

ولما كان ابن أبيّ سبب{[37014]} النهي عن{[37015]} الاستغفار لهم ، وكان ابنه عبد الله بن عبد الله من خيار المؤمنين وخلص المحسنين و{[37016]} كان لبعض المنافقين أبناء مثله ، وكان من طبع البشر أن يذكر في كثير من{[37017]} مقاله غلظاً ما يندم عليه ، وكان شديد الوقوف لما حف به من العلائق البدنية وشمله من العوائق بالأوهام النفسانية مع أوهامه وعوائقه قاصراً على قيوده وعلائقه ، فكان لإعادة الكلام وتكريره وترديده ومزيد تقريره تأكيد في النفوس وتعزية وتثبيت في القلوب ، كرر آية الإعجاب لهذه الأسباب لأن{[37018]} يكون حكمها على بال من المخاطب لا ينساه {[37019]}لاعتقاد أن{[37020]} العمل به مهم جداً يفتقر إلى فضل عناية ، وأن ذلك شبيه بما أهم صاحبه فهو يتكلم فيه ثم ينتقل إلى غيره لغرض{[37021]} صحيح ثم يرجع إليه في أثناء حديثة لشدة اهتمامه به تنبيهاً على ذلك ، ولا يرجع إليه إلا على غاية ما يكون من حسن{[37022]} الربط وبراعة التناسب ، وعطفها بالواو دون الفاء لأن ذلك ليس مسبباً عما قبله كما سبق في الآية الأولى ، أي لا تستغفر لهم ولا تصل عليهم ولا يعجبك قولهم{[37023]} : مستعطفين لك في طلب محبتك وإن زخرفوه وأكدوه بالأيمان التي اتخذوها جنة { ولا تعجبك أموالهم } وأسند{[37024]} النهي إليها إبلاغاً فيه .

ولما لم يكن هنا ما اقتضى تأكيد النفي مما مضى في الآية الأولى{[37025]} ، لم يعد النافي ولا أثبت اللام ولا الحياة فقال{[37026]} : { وأولادهم } أي وإن أظهروا أنهم يجاهدون بها معك ويتقربون بها إلى الله{[37027]} فإن الله{[37028]} لا يريد بهم ذلك فلا ييسره لهم لما علم{[37029]} من مباعدتهم للخير وعدم قابليتهم له{[37030]} فلا يحملك{[37031]} الإعجاب بشيء من ذلك على فعل شيء مما تقدم النهي عنه تأليفاً لأمثالهم{[37032]} للمساعدة بأولادهم وأموالهم{[37033]} وتطييباً لقلوب المؤمنين من أولادهم ، فإنهم إن كانوا مؤمنين لم يضرهم ترك ذلك وإلا فبعداً لهم وسحقاً { إنما يريد الله } أي بعزه وعظمته وعلمه وإحاطته { أن يعذبهم } أي تعذيبهم { بها } فالفعل واقع بخلافه في الآية السابقة { في الدنيا } أي بجمعها ومحبة الإخلاد إليها وإلى الأولاد إن كانوا مثلهم في الاعتقاد وإلا كانوا زيادة عذاب لهم في الدارين { وتزهق } أي تخرج بغاية العسر { أنفسهم وهم } لاغترارهم بها { كافرون* } ولا شك أن خطاب الرأس بغاية العسر { أنفسهم وهم } لاغترارهم بها{[37034]} { كافرون* } ولا شك أن خطاب الرأس بشيء أوقع في قلوب أصحابه فلذلك وقع الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد غيره من أتباعه وجماعته وأشياعه ممن قد يجنح إلى الأسباب ويقف عنده كما هو طبع النفوس في تأمل ما شهد ونسيان ما غاب وعهد تدريباً لهم على الحب في الله والبغض فيه لأنه من أدق أبواب الدين فهماً وأجلها قدراً ، وعليه تبتنى غالب أبوابه ، ومنه تجتنى أكثر ثمراته وآدابه ، وذلك أنه ربما ظن الناظر فيمن بسطت عليه الدنيا أنه من الناجين فيوادّه{[37035]} لحسن قوله غافلاً عن سوء فعله ، أو يظن أن أهل الدين فقراء إلى مساعدته لهم في جهاد أو غيره {[37036]}بما له وذويه{[37037]} روية فيداريه ، فأعلمهم تعالى أن ما هذا سبيله مقطوع البركة نهياً عن النظر إلى الصور وتنبيهاً على قصر الأنظار على المعاني{ قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث }{[37038]}[ المائدة : 100 ] - الآية{ وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم }{[37039]}[ المنافقون : 41 ] .


[37014]:في ظ: سببا في.
[37015]:زيد في ظ: ابن.
[37016]:زيد من ظ.
[37017]:زيدت الواو من ظ.
[37018]:من ظ، وفي الأصل: لا.
[37019]:في ظ: لاعتنا ذلك ـ كذا.
[37020]:في ظ: لاعتنا ذلك ـ كذا.
[37021]:من ظ، وفي الأصل: الغرض.
[37022]:في ظ: أحسن.
[37023]:في ظ: قوله.
[37024]:من ظ، وفي الأصل: اشتد.
[37025]:راجع آية 55.
[37026]:من ظ، وفي الأصل: وقال.
[37027]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[37028]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[37029]:زيد من ظ.
[37030]:زيد من ظ.
[37031]:في ظ: فلا يحمك.
[37032]:من ظ، وفي الأصل: لأسلامهم.
[37033]:في ظ: أولادهم.
[37034]:من ظ، وفي الأصل: فيها.
[37035]:من ظ، وفي الأصل: فيواده.
[37036]:من ظ، وفي الأصل: بمال ورروية.
[37037]:من ظ، وفي الأصل: بمال ورروية.
[37038]:سورة 5 آية 100.
[37039]:سورة 63 آية 41.