جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ادع الله لهؤلاء المنافقين الذين وصف صفاتهم في هذه الآيات بالمغفرة، أو لا تدع لهم بها. وهذا كلام خرج مخرج الأمر، وتأويله الخبر، ومعناه: إن استغفرت لهم يا محمد أو لم تستغفر لهم، فلن يغفر الله لهم. وقوله:"إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ" يقول: إن تسأل لهم أن تستر عليهم ذنوبهم بالعفو منه لهم عنها وترك فضيحتهم بها، فلن يستر الله عليهم، ولن يعفو لهم عنها ولكنه يفضحهم بها على رءوس الأشهاد يوم القيامة. "ذلكَ بأنّهُمْ كَفَرُوا باللّهِ وَرَسُولِهِ "يقول جلّ ثناؤه: هذا الفعل من الله بهم، وهو ترك عفوه لهم عن ذنوبهم، من أجل أنهم جحدوا توحيد الله ورسالة رسوله. "وَاللّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ" يقول: والله لا يوفق للإيمان به وبرسوله من آثر الكفر به والخروج عن طاعته على الإيمان به وبرسوله...
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
إن استغفرت لهم فإن استغفارك ليس بالذي يرد فلا يجاب، لكنهم قوم كفروا باللَّه ورسوله، وقد تعلم من حكمي أني لا أغفر لمن مات على ذلك. على ذلك يخرج على الاعتذار لرسوله في ذلك، والنهي له عن الاستغفار لهم؛ كقوله: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى) وقد علم شرك المنافقين وكفرهم باللَّه ورسوله؛ فنهاه عن الاستغفار لهم؛ إذ لا يحتمل أن يكون ذلك قبل أن يطلع رسوله على كفرهم؛ فدل على أنه بعد العلم بذلك نهاه.
فيه إخبارٌ بأن استغفار النبي صلى الله عليه وسلم لهم لا يوجب لهم المغفرة، ثم قال: {إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ الله لَهُمْ} ذَكَر السبعين على وجه المبالغة في اليأس من المغفرة. وقد رُوي في بعض الأخبار أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية قال:"لأَزِيدَنَّ على السَّبْعِينَ" وهذا خطأ من راويه؛ لأن الله تعالى قد أخبر أنهم كفروا بالله ورسوله، فلم يكن النبي صلى الله عليه وسلم ليسأل الله مغفرة الكفار مع علمه بأنه لا يغفر لهم، وإنما الرواية الصحيحة فيه ما رُوي أنه قال: "لَوْ عَلِمْتُ أَنّي لو زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ غُفِرَ لَهُمْ لَزِدْتُ عَلَيْهَا"، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم استغفر لقوم منهم على ظاهر إسلامهم من غير علم منه بنفاقهم، فكانوا إذا مات الميت منهم يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم الدعاء والاستغفار له فكان يستغفر لهم على أنهم مسلمون، فأعلمه الله تعالى أنهم ماتوا منافقين وأخبر مع ذلك أن استغفار النبي صلى الله عليه وسلم لهم لا ينفعهم.
تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :
يخبر تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بأن هؤلاء المنافقين ليسوا أهلا للاستغفار، وأنه لو استغفر لهم، ولو سبعين مرة فإن الله لا يغفر لهم. وقد قيل: إن السبعين إنما ذكرت حسما لمادة الاستغفار لهم؛ لأن العرب في أساليب كلامها تذكر السبعين في مبالغة كلامها، ولا تريد التحديد بها، ولا أن يكون ما زاد عليها بخلافها...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
لما كان صلى الله عليه وسلم معروفاً بكثرة الاحتمال وشدة اللين المشير إليه {عفا الله عنك لم أذنت لهم} للمبالغة في استجلابهم والحرص على نجاة جميع الخلق فكان معروفاً بالاستغفار لهم تارة على وجه الخصوص بسؤالهم عند اعتذارهم وحلفهم و تارة على وجه العموم عند استغفاره لجميع المسلمين، أخبره تعالى من عاقبة أمره بما يزهده فيهم ليعرض عنهم أصلاً ورأساً، لأنهم تجاوزوا حق الله في ترك الجهاد ومنع الصدقة وحقه صلى الله عليه وسلم في لمزه في الصدقات ووصفه بما يجل عنه إلى حقوق المجاهدين الذين هو سبحانه خليفتهم في أنفسهم وأهليهم وأموالهم مع ما سبق في عمله للمنافقين من أنه لا يغفر لهم فقال: {استغفر} أي اطلب الغفران {لهم أو لا تستغفر لهم} أي استوى في أمرهم استغفارك لهم وتركه {إن تستغفر} أي تسأل الغفران {لهم سبعين مرة} أي على سبيل الحقيقة أو المبالغة؛ ولما كان الإخبار باستواء الأمرين: الاستغفار وتركه ربما كان مسبباً عن الغفران وربما كان مسبباً عن الخسران، عينه في هذا الثاني فقال: {فلن يغفر الله} أي الذي قضى بشقائهم وهو الذي لا يرد أمره {لهم} وهو يحتمل أن يكون جواباً للأمر، وجواب الشرط محذوف لدلالته عليه، والمراد بالسبعين على ما ظهر في المآل المبالغة في أنه لا يغفر لهم لشيء من الأشياء ولو غفر لهم لشيء لكان لقبول شفاعة نبيه صلى الله عليه وسلم...
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
ثم بين تعالى عقابهم الخاص بأمر الدين، بما جعل حكمهم في ذنوبهم حكم الكافرين، فقال: {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم} هذه الآية بمعنى آية سورة المنافقين {سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم إن الله لا يهدي القوم الفاسقين} [المنافقون: 6]،وفيها زيادة تأكيد بذكر السبعين مرة، والتصريح بأن سبب عدم المغفرة هو الكفر الخ، وعدد السبعين يستعمل بمعنى الكثرة المطلقة في عرف العرب، فليس المراد به هذا العدد بعينه، بل المعنى مهما تكثر من الاستغفار فلن يستجاب لك فيهم، وحسنت هذه الزيادة فيها لتأخر نزولها، فهي أمر معناه الخبر، كما قال الجمهور، تقديره: الاستغفار لهؤلاء المنافقين المعينين وعدمه سيان، فلن يغفر الله لهم وإن كثر الاستغفار.
والظاهر أنه كان صلى الله عليه وسلم يستغفر لهم رجاء أن يهديهم الله تعالى فيتوب عليهم ويغفر لهم، كما كان يدعو للمشركين كلما اشتد إيذاؤهم له، ويقول: (اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون) رواه ابن حبان في صحيحه من حديث سهل بن سعد، وروى مثله الشيخان من حديث ابن مسعود قال: كأني أنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم يحكي نبياً من الأنبياء ضربه قومه فأدموه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول، وذكره. وفي مسلم: (رب اغفر) الخ. قال بعض العلماء: إنه صلى الله عليه وسلم يعني نفسه حين شجوا رأسه في أحد، فهو الحاكي والمحكي عنه. والاستغفار للمشركين في جملتهم لا يدخل في معنى قوله تعالى الآتي في هذه السورة {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم} [التوبة: 113]؛ لأن النهي هنا عن الاستغفار لمن تبين للنبي أنه من أصحاب الجحيم، ولا سيما بعد الموت على الشرك، لا للأحياء غير المعينين، وهؤلاء المنافقون المعنيون هنا من هذا القبيل لأنهم هم المعينون الذين أخبره الله بكفرهم فيما تقدم وفيما سيأتي، ولذلك بين سبب عدم مغفرته لهم بقوله:
{ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله} أي ذلك الامتناع من المغفرة بسبب كفرهم بالله ورسوله، فهم لا يوقنون بما وصف به نفسه من العلم بسرهم ونجواهم وبسائر الغيوب، ولا بوحيه لرسوله وما أوجبه من اتباعه، ولا ببعثه للموتى وحسابهم وجزائهم، وليس سببه عدم الاعتداد باستغفارك أيها الرسول لهم، فإن شرط قبوله مع قابلية المغفرة وضعه في موضعه، وهو ما سبق في سورة النساء {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما} [النساء: 64]، يعني أن المغفرة إنما وعد بها التائبون المستغفرون من ذنوبهم إذا استغفرت لهم. وهؤلاء كفار في باطنهم، مصرون على كفرهم، فاسقون عن أمر ربهم.
{والله لا يهدي القوم الفاسقين} أي جرت سنته في الراسخين في فسوقهم وتمردهم المصرين على نفاقهم، الذين أحاطت بهم خطاياهم أن يفقدوا الاستعداد للتوبة والإيمان، فلا يهتدون إليهما سبيلاً، وتقدم وصفهم بهذا الفسوق في الآية [67]، ومثل هذه الجملة بنصها في الآية [37] من هذه السورة...
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
استغفار النبي لا ينفع المنافقين:
وربما سعى البعض منهم أو من غيرهم لدى النبي أن يستغفر لهم بعد انكشاف أمرهم ليكون ذلك أساساً لشرعية موقعهم في المجتمع المسلم، وربما كانت المسألة مطروحةً في الذهن على أساسٍ نظريٍ حول إمكانات ذلك من حيث المبدأ، في مجال تقييم تصرفاتهم في حساب غفران الله لهم ذلك من خلال استغفار النبي لهم في ما لو حدث ذلك، ولكن الله أغلق الباب كله عليهم، لأن القضية في ذلك ليست قضية خطيئة يمكن أن يتوب الله على فاعلها مع استغفاره أو استغفار النبي له، بل هي قضية الإيمان من الأساس، فإن هؤلاء المنافقين لا يؤمنون بالله والرسول في عمق أنفسهم، فكيف يمكن أن تنالهم المغفرة {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ} فالنتيجة واحدة، لأنهم لا يملكون قابلية الحصول على المغفرة {إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً} والظاهر أن الرقم هنا لا مدلول له من حيث الخصوصية، بل ربما كان وارداً على سبيل المبالغة في الكثرة، {فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} في ما أضمروه في نفوسهم من معاني الكفر بشكل مباشر أو غير مباشر، وبذلك فإنهم لا يملكون قاعدةً للمغفرة، {وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} أمثال هؤلاء الذين تجاوزوا الحدّ في التمرّد والانحراف ورفضوا هداية الله ورسوله، في ما لديهم من وسائلها وأدواتها، وبذلك أهملهم الله، ففقدوا روح الهداية...
ولما كان صلى الله عليه وسلم معروفاً بكثرة الاحتمال وشدة اللين المشير إليه { عفا الله عنك لم أذنت لهم } للمبالغة في استجلابهم والحرص على نجاة جميع الخلق فكان معروفاً بالاستغفار{[36942]} لهم تارة على وجه الخصوص بسؤالهم عند اعتذارهم وحلفهم و{[36943]} تارة على وجه العموم عند استغفاره لجميع المسلمين{[36944]} ، أخبره تعالى من عاقبة أمره بما يزهده فيهم ليعرض عنهم أصلاً ورأساً ، لأنهم تجاوزوا حق الله في ترك الجهاد ومنع الصدقة وحقه صلى الله عليه وسلم في لمزه في الصدقات ووصفه بما يجل عنه إلى حقوق المجاهدين الذين هو سبحانه خليفتهم في أنفسهم وأهليهم وأموالهم مع ما سبق{[36945]} في عمله للمنافقين من{[36946]} أنه لا يغفر لهم فقال : { استغفر } أي اطلب{[36947]} الغفران { لهم أو لا تستغفر لهم }{[36948]} أي استوى في أمرهم استغفارك لهم وتركه { إن تستغفر } أي تسأل الغفران { لهم سبعين مرة } أي على سبيل الحقيقة أو المبالغة ؛ ولما كان الإخبار باستواء الأمرين : الاستغفار وتركه ربما{[36949]} كان مسبباً عن الغفران وربما كان مسبباً عن الخسران ، عينه في هذا الثاني فقال : { فلن يغفر الله } أي الذي قضى بشقائهم وهو الذي لا يرد{[36950]} أمره { لهم } وهو يحتمل أن يكون جواباً للأمر ، وجواب الشرط محذوف لدلالته عليه ، والمراد بالسبعين على ما ظهر في المآل المبالغة في أنه لا يغفر لهم لشيء من الأشياء ولو غفر لهم لشيء لكان لقبول شفاعة نبيه صلى الله عليه وسلم ، والعرب تبالغ بما فيه لفظ السبعة لأنها غاية{[36951]} مستقصاة جامعة لأكثر أقسام العدد ، وهي تتمة عدد الخلق كالسماوات والأرض والبحار والأقاليم والأعضاء .
ولما كان صلى الله عليه وسلم شديد الحرص على رشدهم ونفعهم ، وكان حقيقة نظم الآية التخيير في الاستغفار وتركه ونفي المغفرة بالاستغفار بالعدد المحصور في سبعين ، {[36952]}جعل صلى الله عليه وسلم الآية مقيدة لما في سورة المنافقين{[36953]} فاستغفر{[36954]} لابن أبيّ وصلى عليه وقام على قبره{[36955]} وصرح بأنه لو يعلم أنه لو زاد على السبعين قبل لزاد ، واستعظم عمر رضي الله عنه ذلك منه صلى الله عليه وسلم وشرع يمسكه بثوبه ويقول : أتصلي عليه وقد نهاك الله عن ذلك ! لأنه لم يفهم من الآية غير المجاز لما عنده من بغض المنافقين ، وأما النبي صلى الله عليه وسلم فرأى التمسك بالحقيقة لما في الرفق بالخليقة من جميل الطريقة{[36956]} بتحصيل الائتلاف الواقع للخلاف وغيره من الفوائد وجليل العوائد ، ولذلك كان عمر رضي الله عنه يقول لما نزل النهي الصريح : فعجبت بعد من جراءتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم . أي تفطنت{[36957]} بعد هذا الصريح أن ذلك الأول كان محتملاً وإلا لأنكر الله الصلاة عليه ، وفي موافقة الله تعالى لعمر رضي الله عنه منقبة شريفة له ، وقد وافقه الله تعالى مع هذا في أشياء كثيرة ، روى البخاري في التفسير وغيره عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : لما توفى عبد الله بن أبيّ جاء ابنه عبد الله بن عبد الله رضي الله عنه{[36958]} - إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه فأعطاه ، ثم سأله أن يصلي عليه ؛ وفي رواية في اللباس ، فأعطاه قميصه وقال : إذا فرغت فآذنا ، فلما فرغ آذنه فجاء ، وفي رواية : فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ! تصلي عليه وقد نهاك الله أن تصلي عليه ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما خيرني الله فقال : { استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة } وسأزيده على السبعين ؛ وفي رواية ؛ لو أعلم أني إن زدت على السبعين يغفر له{[36959]} لزدت عليها ، قال : إنه منافق ، فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : فأنزل الله عز وجل { ولا تصلِّ على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره }{[36960]} إلى { وهم فاسقون } فترك الصلاة عليهم ، قال : فعجبت بعد من جراءتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم والله ورسوله أعلم : وله في أواخر الجهاد عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : لما كان يوم بدر أتي بالأسارى وأتي بالعباس ولم يكن عليه ثوب فنظر النبي صلى الله عليه وسلم قميصاً فوجدوا قميص عبد الله بن أبي يقدر عليه{[36961]} فكساه النبي صلى الله عليه وسلم إياه ، فلذلك نزع النبي صلى الله عليه وسلم قميصه الذي ألبسه ، قال ابن عيينة : كانت له عند النبي صلى الله عليه وسلم يد فأحب أن يكافئه ، وفي رواية عنه في اللباس أنه قال : أتى النبي صلى الله عليه وسلم ابن أبيّ بعد ما أدخل قبره فأمر به فأخرج ووضع على ركبتيه ونفث عليه من ريقه وألبسه قميصه - انتهى .
فكأن ابنه رضي الله عنه استحى من أن يؤذن النبي صلى الله عليه وسلم به لما كان يعلم من نفاقه ، أو آذنه صلى الله عليه وسلم به فصادف منه{[36962]} شغلاً فدفنه فجاء {[36963]}رسول الله{[36964]} صلى الله عليه وسلم بعد{[36965]} إدخاله القبر وقبل تمام الدفن فأخرجه تطييباً لخاطر ابنه الرجل الصالح ودفعاً لما قد يتوهمه من إحنة عليه وتأليفاً لغيره ، فقد روي أنه قال صلى الله عليه وسلم : إني أؤمل من الله أن يدخل في الإسلام كثير بهذا السبب ، فأسلم ألف من الخزرج لما رأوه{[36966]} طلب الاستشفاء بثوب النبي صلى الله عليه وسلم ، ففي بعض الروايات أنه هو الذي طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يكفنه في قميصه ، وتعطفه{[36967]} عليه ، أدعى إلى تراحم المسلمين وتعاطف{[36968]} بعضهم على بعض ، وقوله : وألبسه قميصه - بالواو لا ينافي الرواية الأولى ، وتحمل{[36969]} الرواية الأولى على أنه وعده إعطاء القميص لمانع كان من التنجيز وقت السؤال ، فحمل الجزم بالإعطاء على الوعد الصادق ثم أنجزه بعد إخراجه من القبر - والله أعلم ؛ ووردت هذه الآية على طريق الجواب لمن كأنه قال : ما تقدم من أحوال المنافقين كان{[36970]} انتهاكاً لحرمة الله أو لحق الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولم يرد فيه أنه يهينهم بالإماتة{[36971]} على النفاق ، فكان يكفي فيه استغفار النبي صلى الله عليه وسلم لهم{[36972]} ، وأما هذان القسمان فأحدهما أخبر بأنه يميتهم منافقين ، والثاني انتهك حرمة المخلصين من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين فهل ينفعهم الاستغفار لهم ؟ فكأنه قيل : استوى الاستغفار وعدمه في أنه لا ينفعهم ، وختمها بعلة عدم المغفرة في قوله : { ذلك } أي الأمر الذي يبعد فعله من الحليم الكريم{[36973]} { بأنهم كفروا بالله } أي وهو الملك الأعظم { ورسوله } أي فهم لا يستأهلون الغفران لأنهم لم يهتدوا لإصرارهم على الفسق وهو معنى قائم بهم في الزيادة على السبعين كما هو قائم بهم في الاقتصار على السبعين { والله } أي المحيط علماً وقدرة { لا يهدي القوم الفاسقين } أي أنه{[36974]} لا يهديهم لأنه{[36975]} جبلهم على الفسق ، وكل من لا يهديه لأنه جبله على الفسق لا يغفر له ، فهو لا يغفر لهم لما علم منهم مما لا يعلمه غيره ، فهو تمهيد لعذر النبي صلى الله عليه وسلم في استغفاره قبل العلم بالطبع الذي لا يمكن معه رجوع .