الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعۡضَ ٱلظَّـٰلِمِينَ بَعۡضَۢا بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ} (129)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{وكذلك}، يعني وهكذا، {نولي بعض الظالمين بعضا}، فولى الله ظلمة الإنس ظلمة الجن، وولى ظلمة الجن ظلمة الإنس بأعمالهم الخبيثة، فذلك قوله: {بما كانوا يكسبون}، يعني يعملون...

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

اختلف أهل التأويل في تأويل "نُوَلّي"؛

فقال بعضهم: معناه: نجعل بعضهم لبعض وليّا على الكفر بالله... عن قتادة، قوله: "وكذلكَ نُوَلّي بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضا بِمَا كانُوا يَكْسِبُونَ" وإنما يولّي الله بين الناس بأعمالهم؛ فالمؤمن وليّ المؤمن أين كان وحيث كان، والكافر وليّ الكافر أينما كان وحيثما كان. ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحّلي.

وقال آخرون: معناه: نُتْبع بعضهم بعضا في النار من الموالاة، وهو المتابعة بين الشيء والشيء، من قول القائل: واليت بين كذا وكذا: إذا تابعت بينهما... وقال آخرون: معنى ذلك: نسلط بعض الظلمة على بعض... وأولى هذه الأقوال في تأويل ذلك بالصواب، قول من قال: معناه: وكذلك نجعل بعض الظالمين لبعض أولياء، لأن الله ذكر قبل هذه الآية ما كان من قول المشركين، فقال جلّ ثناؤه: "وَقالَ أوْلِياؤُهُم مِنَ الإنْسِ رَبّنا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ"، وأخبر جلّ ثناؤه أن بعضهم أولياء بعض، ثم عقّب خبره ذلك بخبره عن أن ولاية بعضهم بعضا بتوليته إياهم، فقال: وكما جعلنا بعض هؤلاء المشركين من الجنّ والإنس أولياء بعض يستمتع بعضهم ببعض، كذلك نجعل بعضهم أولياء بعض في كلّ الأمور بما كانوا يكسبون من معاصي الله ويعملونه.

النكت و العيون للماوردي 450 هـ :

...معناه: وكذلك نَكِلُ بعضهم إلى بعض، فلا نعينهم، ومن سُلِبَ معونة الله كان هالكاً.

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

يعني نجمع بين الأشكال، فالأولياء مجموعون يستمتع بعضهم ببعض، والأعداء مجموعون يفرُّ بعضهم من بعض...

الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي 468 هـ :

{وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا} كما خذلنا عصاة الجن والإنس نكل بعض الظالمين إلى بعض حتى يضل بعضهم بعضا...

الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 671 هـ :

قوله تعالى:"وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا" المعنى وكما فعلنا بهؤلاء مما وصفته لكم من استمتاع بعضهم ببعض أجعل بعض الظالمين أولياء بعض، ثم يتبرأ بعضهم من بعض غدا. ومعنى "نولي "على هذا نجعل وليا. قال ابن زيد: نسلط ظلمة الجن على ظلمة الإنس. وعنه أيضا: نسلط بعض الظلمة على بعض فيهلكه ويذله. وهذا تهديد للظالم إن لم يمتنع من ظلمه سلط الله عليه ظالما آخر. ويدخل في الآية جميع من يظلم نفسه 1 أو يظلم الرعية، أو التاجر يظلم الناس في تجارته أو السارق وغيرهم. وقال فضيل بن عياض: إذا رأيت ظالما ينتقم من ظالم فقف، وانظر فيه متعجبا. وقال ابن عباس: إذا رضي الله عن قوم ولى أمرهم خيارهم، وإذا سخط الله على قوم ولى أمرهم شرارهم. وفي الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم: (من أعان ظالما سلطه الله عليه). وقيل: المعنى نكل بعضهم إلى بعض فيما يختارونه من الكفر، كما نكلهم غدا إلى رؤسائهم الذين لا يقدرون على تخليصهم من العذاب أي كما نفعل بهم ذلك في الآخرة كذلك نفعل بهم في الدنيا. وقد قيل في قوله تعالى: "نوله ما تولى 2" [النساء: 115]: نكله إلى ما وكل إليه نفسه. قال ابن عباس: تفسيرها هو أن الله إذا أراد بقوم شرا 3 ولى أمرهم شرارهم. يدل عليه قوله تعالى: "وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم 4" [الشورى: 30].

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

{وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} المعنى العام لمادة الولاء هو أن يكون بين الشيئين أو الأشياء نوع من الاتصال في الحصول أو العمل بأن يفصل بينهما أو بينها ما شأنه أن يفصل من حدث أو جثة أو زمن. وولي الرجل العمل أو الأمر: قام به بنفسه ومنه ولاية الأحكام "بكسر الواو "وصاحبها وال، وولاء القرابة وولاية النصرة (وكلاهما بفتحها) وصاحبهما ولي. ومنه الموالاة في الوضوء، وولى وجهه الكعبة: توجه إليها {فول وجهك شطر المسجد الحرام} (البقرة 144)، وولاه الشيء أو العمل أو القضاء: جعله إليه ليقوم به بنفسه فتولاه، وتولى زيد عمرا نصره وكذلك القوم {لا تتولوا قوما غضب الله عليهم} (الممتحنة 13). وأما تولية الله للناس بعضهم بعضا فهو جعلهم أولياء وأنصارا بعضهم لبعض إما بمقتضى أمره في شرعه ومقتضى سننه وقدره معا وإما بمقتضى الثاني فقط، فالأول ولاية المؤمنين بعضهم بعضا في الحق والخير والمعروف، فقد أمرهم بذلك في شرعه ونهاهم عن ضده وهو مقتضى الإيمان الصادق وأثره الذي لا ينفك عنه بحسب تقدير الله الذي مضت به سنته في خلقه. والثاني ولاية الكفار المجرمين والمنافقين بعضهم بعضا فهو أثر مترتب على الاعتقاد والأخلاق والمنفعة المشتركة بينهم بحسب تقديره وسننه في نظام الحياة البشرية وهو لم يأمرهم بشيء مما يتناصرون به في الباطل والشر والمنكر بل نهاهم عنه...

ومثل ذلك الذي تقدم أي في الآية التي قبلها من استمتاع أولياء الإنس والجن بعضهم ببعض في الدنيا لما بينهم من التناسب والمشاكلة ولي بعض الظالمين لأنفسهم وللناس بعضا بسبب ما كانوا يكسبونه باختيارهم من أعمال الظلم الجامعة بينهم أي يقع ذلك منهم بسنتنا وقدرنا، الذي قام به النظام العام في خلقنا...

فالمدار في الولاية بين الناس على المشاكلة النفسية التي قررها الكسب والعمل لا الصورية أو اللفظية التي لم يقرر الكسب معناها، ولذلك قال: {بما كانوا يكسبون} ولم يقل بما كانوا يلقبون...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

... (وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون).. بمثل هذا الذي قام بين الجن والإنس من ولاء؛ وبمثل ما انتهى إليه هذا الولاء من مصير.. بمثل ذلك، وعلى قاعدته، نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون. نجعل بعضهم أولياء بعض؛ بحكم ما بينهم من تشابه في الطبع والحقيقة؛ وبحكم ما بينهم من اتفاق في الوجهة والهدف، وبحكم ما ينتظرهم من وحدة في المصير.. وهو تقرير عام أبعد مدى من حدود المناسبة التي كانت حاضرة، إنه يتناول طبيعة الولاء بين الشياطين من الإنس والجن عامة. فإن الظالمين -وهم الذين يشركون بالله في صورة من الصور- يتجمع بعضهم إلى بعض في مواجهة الحق والهدى؛ ويعين بعضهم بعضا في عداء كل نبي والمؤمنين به. إنهم فضلا على أنهم من طينة واحدة -مهما اختلفت الأشكال- هم كذلك أصحاب مصلحة واحدة، تقوم على اغتصاب حق الربوبية على الناس، كما تقوم على الانطلاق مع الهوى بلا قيد من حاكمية الله.. ونحن نراهم في كل زمان كتلة واحدة يساند بعضهم بعضا -على ما بينهم من خلافات وصراع على المصالح- إذا كانت المعركة مع دين الله ومع أولياء الله.. فبحكم ما بينهم من اتفاق في الطينة، واتفاق في الهدف يقوم ذلك الولاء.. وبحكم ما يكسبون من الشر والإثم تتفق مصائرهم في الآخرة على نحو ما رأينا في المشهد المعروض!...

 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعۡضَ ٱلظَّـٰلِمِينَ بَعۡضَۢا بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ} (129)

{ نولي بعض الظالمين بعضا } أي : نجعل بعضهم وليا لبعض ، وقيل : يتبع بعضهم بعضا في دخول النار ، وقيل : نسلط بعضهم على بعض .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعۡضَ ٱلظَّـٰلِمِينَ بَعۡضَۢا بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ} (129)

ولما استبان بهذا أنه ولّى الكفرة من ظالمي الجن ظالمي الإنس وسلطهم عليهم ، أخبر تعالى أن هذا عمله مع كل ظالم من أي قبيل كان سواء كان كافراً أو لا فقال : { وكذلك } أي ومثل تلك{[31232]} التولية التي سلطنا بها الجن على الإنس بما زاد عذاب الفريقين { نولي } أي نتبع في جميع الأزمان من جميع الخلق { بعض الظالمين{[31233]} } أي الغريقين في الظلم { بعضاً } أي بأن نجمع{[31234]} بين الأشكال ، في الأوصاف الباطنة والخصال ، ونسلط بعضهم على بعض في الضلال والإضلال ، والأوجاع والأنكال { بما كانوا } بجبلاتهم { يكسبون * } أي بسبب اجتماعهم في الطباع التي{[31235]} طبعناهم عليها يجتمعون وينقاد بعضهم لبعض ، بحسب ما سببنا من الأسباب الملائمة لذلك الظلم الذي يسرناه لهم ، حتى صارت أعمالهم كلها في غير مواضعها ، فيظلم بعضهم بعضاً ويهلك بعضهم بعضاً ، وهم لا يزدادون إلا الالتئام{[31236]} حتى يستحق الكل ما كتبنا لهم من عذاب ؛ روى الطبراني في الأوسط عن جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله عزّ وجلّ يقول : أنتقم ممن{[31237]} أبغض بمن أبغض ثم{[31238]} أصيّر كلاًّ إلى النار " وعن مالك بن دينار{[31239]} قال : رأيت{[31240]} في بعض كتب الله المنزلة أن الله تعالى يقول : افني أعدائي بأعدائي ثم أفنيهم{[31241]} بأوليائي . أو{[31242]} يقال : فقد أخبرنا أن الله عزّ وجلّ{[31243]} ولى المؤمنين بسبب محاسن أعمالهم ، ومثل ما ولاهم ليعزهم يولي بعض الظلمة بعضاً ليهينهم بسبب ما كانوا يتعاطونه من مساوئ الأعمال ورديء الخلال وغث الخصال فيؤديهم إلى مهلك الأوجاع والأوجال ، أو يقال : فقد بان أن كلاًّ{[31244]} من ظالمي الإنس والجن كان ولياً لكل ، وكما جعلنا بعضهم أولياء بعض في الدنيا نفعل إذا حشرناهم في النار فنجعل بعضهم أولياء - أي أتباع بعض{[31245]} ، ليستمتع بعضهم ببعض وينصر{[31246]} بعضهم بعضاً إن قدروا ، وهيهات منهم ذلك هيهات ! شغلهم البكاء والعويل والندم والنحيب .


[31232]:من ظ، وفي الأصل: ذلك.
[31233]:تأخر في الأصل عن "في الظلم"لا والترتيب من ظ.
[31234]:من ظ، وفي الأصل: يجمع.
[31235]:من ظ، وفي الأصل: الذي.
[31236]:من ظ، وفي الأصل: التيام.
[31237]:في ظ: بمن.
[31238]:من ظ، وفي الأصل: من.
[31239]:من ظ، وفي الأصل: قرأت.
[31240]:من ظ، وفي الأصل: قرأت.
[31241]:في ظ: افتنهم.
[31242]:من ظ، وفي الأصل "و.
[31243]:زيد بعده في الأصل: يقول، ولم تكن الزيادة في ظ فحذفناها.
[31244]:زيد ما بين الحاجزين من ظ.
[31245]:سقط من ظ.
[31246]:من ظ، وفي الأصل: يبصر.