الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَقَطَّعۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ أُمَمٗاۖ مِّنۡهُمُ ٱلصَّـٰلِحُونَ وَمِنۡهُمۡ دُونَ ذَٰلِكَۖ وَبَلَوۡنَٰهُم بِٱلۡحَسَنَٰتِ وَٱلسَّيِّـَٔاتِ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ} (168)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{وقطعناهم}، يعني وفرقناهم {في الأرض أمما}، يعني فرقا، يعني بنى إسرائيل، {منهم الصالحون}، يعني المؤمنين، {ومنهم دون ذلك}، يعني دون الصالحين، فهم الكفار، {وبلوناهم بالحسنات والسيئات}، يقول: ابتليناهم بالخصب والشدة، {لعلهم}، يعني لكي {يرجعون} إلى التوبة...

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: وفرّقنا بني إسرائيل في الأرض أمما، يعني جماعات شتى متفرّقين...

وقوله:"مِنْهُمُ الصّالِحُونَ" يقول: من هؤلاء القوم الذين وصفهم الله من بني إسرائيل الصالحون، يعني: من يؤمن بالله ورسله. "وَمِنْهُمْ دُونَ ذلكَ "يعني: دون الصالح. وإنما وصفهم الله جلّ ثناؤه بأنهم كانوا كذلك قبل ارتدادهم عن دينهم وقبل كفرهم بربهم، وذلك قبل أن يُبعث فيهم عيسى ابن مريم صلوات الله عليه.

وقوله: "وَبَلَوْناهُمْ بالحَسَناتِ وَالسّيّئاتِ لَعَلّهُمْ يَرْجِعُونَ" يقول: واختبرناهم بالرخاء في العيش والخفض في الدنيا والدعة والسعة في الرزق، وهي الحسنات التي ذكرها جلّ ثناؤه. ويعني بالسيئات: الشدّة في العيش، والشظف فيه والمصائب والرزايا في الأموال. "لَعلّهُمْ يَرْجِعُونَ" يقول: ليرجعوا إلى طاعة ربهم، وينيبوا إليها، ويتوبوا من معاصيه.

النكت و العيون للماوردي 450 هـ :

وفي تفريقهم فيها ثلاثة أوجه: أحدها: زيادة في الانتقام منهم. والثاني: ليذهب تعاونهم. والثالث: ليتميز الصالح من المفسد.

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

أجراهم على ما علم أنهم يكونون عليه من صلاح وسداد، ومعاص وفساد. ثم ابتلاهم بفنون الأفعال من محن أزاحها، ومن منن أتاحها، وطالبهم بالشكر على ما أسدى، والصبر على ما أبلى، ليظهر للملائكة والخلائق أجمعين جواهرهم في الخلاف والوفاق، والإخلاص والنفاق...

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

واعلم أن قوله: {وقطعناهم} أحد ما يدل على أن الذي تقدم من قوله: {ليبعثن عليهم} المراد جملة اليهود، ومعنى {قطعناهم} أي فرقناهم تفريقا شديدا. فلذلك قال بعده: {في الأرض أمما} وظاهر ذلك أنه لا أرض مسكونة إلا ومنهم فيها أمة، وهذا هو الغالب من حال اليهود، ومعنى قطعناهم، فإنه قلما يوجد بلد إلا وفيه طائفة منهم.

ثم قال: {منهم الصالحون} قيل المراد القوم الذين كانوا في زمن موسى عليه السلام لأنه كان فيهم أمة يهدون بالحق. وقال ابن عباس ومجاهد: يريد الذين أدركوا النبي صلى الله عليه وسلم وآمنوا به وقوله: {ومنهم دون ذلك} أي ومنهم قوم دون ذلك، والمراد من أقام على اليهودية.

فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون قوله: {ومنهم دون ذلك} من يكون صالحا إلا أن صلاحه كان دون صلاح الأولين لأن ذلك إلى الظاهر أقرب.

قلنا: أن قوله بعد ذلك: {لعلهم يرجعون} يدل على أن المراد بذلك من ثبت على اليهودية وخرج من الصلاح.

أما قوله: {وبلوناهم بالحسنات والسيئات} أي عاملناهم معاملة المبتلى المختبر بالحسنات، وهي النعم والخصب والعافية، والسيئات هي الجدب والشدائد، قال أهل المعاني: وكل واحد من الحسنات والسيئات يدعو إلى الطاعة، أما النعم فلأجل الترغيب، وأما النقم فلأجل الترهيب. وقوله: {يرجعون} يريد كي يتوبوا.

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

ثم بين تعالى كيف كان بدء إذلال اليهود بإزالة وحدتهم، وتمزيق جامعتهم فقال: {وقطعناهم في الأرض أمما} أي وفرقناهم في الأرض حال كونهم أمما بالتقدير، أو صيرناهم أمما متقطعة، بعد أن كانوا أمة متحدة {منهم الصالحون} كالذين نهوا الذي اعتدوا في السبت عن ظلمهم، والذين كانوا يؤمنون بأنبياء الله تعالى فيهم من بعد موسى إلى عهد عيسى عليهم السلام، والذين آمنوا بمحمد خاتم النبيين، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، {ومنهم دون ذلك} ومنهم ناس دون وصف الصلاح لم يبلغوه، وهم درجات أو دركات، منهم الغلاة في الكفر والفسق، كالذين كانوا يقتلون النبيين بغير حق، ومنهم السماعون للكذب الأكالون للسحت، إلى غير ذلك مما هو شأن الأمم الفاسدة في كل عصر، تفسد بالتدريج لا دفعة واحدة كما نراه في أمتنا الإسلامية.

{وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون} أي امتحناهم، وبلونا سرائرهم واستعدادهم، بالنعم التي تحسن، وتقر بها الأعين، وبالنقم التي تسوء صاحبها، وربما حسنت بالصبر والإنابة عواقبها، رجاء أن يرجعوا عن ذنبهم، وينيبوا إلى ربهم، فيعود برحمته وفضله عليهم.

تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :

"وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأرْضِ أُمَمًا" أي: فرقناهم ومزقناهم في الأرض بعد ما كانوا مجتمعين، مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ القائمون بحقوق اللّه، وحقوق عباده، وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ أي: دون الصلاح، إما مقتصدون، وإما ظالمون لأنفسهم، "وَبَلَوْنَاهُمْ" على عادتنا وسنتنا، "بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ" أي: بالعسر واليسر. "لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ" عما هم عليه مقيمون من الردى، يراجعون ما خلقوا له من الهدى،

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

ثم تمضي خطوات القصة مع خطوات التاريخ، من بعد موسى وخلفائه، مع الأجيال التالية في بني إسرائيل إلى الجيل الذي كان يواجه الرسول صلى الله عليه وسلم والجماعة المسلمة في المدينة:

"وقطعناهم في الأرض أمماً.. منهم الصالحون ومنهم دون ذلك.. وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون. فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب، يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون: سيغفر لنا. وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه. ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ألا يقولوا على الله إلا الحق، ودرسوا ما فيه، والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون! والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة، إنا لا نضيع أجر المصلحين"..

وهذه بقية الآيات المدنية الواردة في هذا السياق تكملة لقصة بني إسرائيل من بعد موسى.. ذلك حين تفرق اليهود في الأرض؛ جماعات مختلفة المذاهب والتصورات، مختلفة المشارب والمسالك. فكان منهم الصالحون وكان منهم من هم دون الصلاح. وظلت العناية الإلهية تواليهم بالابتلاءات. تارة بالنعماء وتارة بالبأساء لعلهم يرجعون إلى ربهم، ويثوبون إلى رشدهم، ويستقيمون على طريقهم (وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون)..

والمتابعة بالابتلاء رحمة من الله بالعباد، وتذكير دائم لهم، ووقاية من النسيان المؤدي إلى الاغترار والبوار..

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

ووصف الأمم بأنهم {منهم الصالحون} إيذان بأن التفريق شمل المذنبين وغيرهم، وأن الله جعل للصالحين منزلة إكرام عند الأمم التي حلّوا بينها، كما دل عليه قوله: {وبلوناهم بالحسنات والسيّئات}. وشمل قوله: {ومنهم دون ذلك} كل من لم يكن صالحاً على اختلاف مراتب فقدان الصلاح منهم. وقوله: {وبلوناهم} إشارة إلى أن الله عاملهم مرة بالرحمة ومرة بالجزاء على أعمال دهمائهم.

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

ومرّة أُخرى تتجلى هذه الحقيقة في هذه الآية وهي أنّ الإِسلام لا يعادي العنصر اليهودي، ولا يشجبهم لكونهم أتباع دين معيّن، أو منتمين إلى عنصر وعرق معيّن، بل يجعل أعمالهم هي مقياس تقييمهم.

 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{وَقَطَّعۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ أُمَمٗاۖ مِّنۡهُمُ ٱلصَّـٰلِحُونَ وَمِنۡهُمۡ دُونَ ذَٰلِكَۖ وَبَلَوۡنَٰهُم بِٱلۡحَسَنَٰتِ وَٱلسَّيِّـَٔاتِ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ} (168)

{ وقطعناهم في الأرض } أي : فرقناهم في البلاد ، ففي كل بلدة فرقة منهم ، فليس لهم إقليم يملكونه { منهم الصالحون } هم من أسلم كعبد الله بن سلام أو من كان صالحا من المتقدمين منهم { بالحسنات والسيئات } أي : بالنعم والنقم .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَقَطَّعۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ أُمَمٗاۖ مِّنۡهُمُ ٱلصَّـٰلِحُونَ وَمِنۡهُمۡ دُونَ ذَٰلِكَۖ وَبَلَوۡنَٰهُم بِٱلۡحَسَنَٰتِ وَٱلسَّيِّـَٔاتِ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ} (168)

ذكر شيء مما هددوا به في التوراة على العصيان والبغي والعدوان غير ما تقدم في المائدة عند { من لعنه الله وغضب عليه }{[33869]} وغيرها من الآيات - قال في السفر الخامس : وإن {[33870]}لم تحفظ وتعمل{[33871]} بجميع الوصايا والسنن التي{[33872]} كتبت في هذا الكتاب وتتق الله ربك وتهب{[33873]} اسمه المحمود المرهوب ، يخصك الرب بضربات موجعة ويبتليك بها ، ويبتلي نسلك من بعدك وتدوم{[33874]} عليك ، ويبقى من نسلك عدد قليل من بعد كثرتهم التي كانت قد صارت مثل نجوم السماء ، وتجلون عن الأرض التي{[33875]} تدخلونها لترثوها ، ويفرقكم الرب بين الشعوب ، وتعبدون هنالك الآلهة الأخرى{[33876]} التي عملت من الحجارة والخشب ، ولا تسكنون أيضاً بين تلك الشعوب ، ولكن يصير الله قلوبكم هناك فزعة مرتجفة بالغداة{[33877]} تقولون : متى نمسي ؟ وبالعشيّ تقولون : متى نصبح ؟ وذلك من فزع قلوبكم وخوفكم وقلة حيلتكم ، ويردكم الله إلى أرض مصر في ألوف في الطريق الذي قال الرب : لا تعودوا{[33878]} أن تروه ، وتباعون هناك عبيداً{[33879]} وإماء ، ولا يكون من يشتريكم - هذه أقوال العهد{[33880]} التي أمر الله بها موسى أن يعاهد بني إسرائيل في أرض موآب سوى العهد{[33881]} الذي عاهدهم بحوريب ؛ ثم دعا موسى جميع بني إسرائيل وقال لهم : قد رأيتم ما صنع الله بأرض مصر بفرعون وجميع عبيده وكل شعبه{[33882]} والبلايا العظيمة التي رأت أعينكم والآيات والأعاجيب التي شهدتموها ، ولم يعطكم الرب قلوباً تفهم وتعلم ، ولا أعيناً تبصر ولا آذاناً تسمع إلى يومنا هذا ، ودبركم في البرية أربعين سنة ، لم تبل ثيابكم عليكم ولم تخلق خفافكم أيضاً ولم تأكلوا خبزاً ، لتعلموا أني أنا الله ربكم ، وأنا الذي أتيت بكم إلى هذه البلاد ، فاحفظوا وصايا هذه التوراة واعملوا بها وأتموا جميع الأعمال في طاعة الله وأكملوها ، لأنكم قد عرفتم جميعاً أن كنا سكاناً بأرض مصر وجزنا بين الشعوب ، ورأيتم نجاستهم وأصنامهم ، لعل فيكم اليوم رجلاً أو امرأة أو قبيلة أو سبطاً يميل قلبه عن{[33883]} عبادة الله ربنا ويطلب عبادة آلهة{[33884]} تلك الشعوب ، فيسمع أقوال هذا العهد فيقول : يكون لي{[33885]} السلام فأتبع مسرة قلبي ، هذا لا يريد الرب أن يغفر له ، ولكن هناك يشتد غضب الرب وزجره عليه وينزل به{[33886]} كل اللعن الذي في هذا الكتاب ، ويستأصل الرب اسمه من تحت السماء ويفرزه الرب من جميع أسباط بني إسرائيل للشر والبلايا ويقول الحقب الآخر بنوكم الذين يقومون من بعدكم والغرباء ، وينظرون إلى ضربات تلك الأرض والأوجاع أنزل الله بها ويقول الشعب{[33887]} : لماذا صنع الرب هكذا ؟ ولماذا{[33888]} اشتد غضبه على هذا الشعب العظيم ؟ ويقولون : لأنهم تركوا عهد الله إله آبائهم ، فاشتد غضب الرب على هذه الأمة وأمر أن ينزل بها كل اللعن الذي كتب في هذا الكتاب ، ويجليهم الرب عن بلادهم بغضب وزجر شديد ويبعدهم إلى أرض غريبة كما ترى{[33889]} اليوم ، فأما الخفايا والسرائر فهي لله ربنا ، والأمور الظاهرة المكشوفة هي لنا .

ولما أخبر سبحانه بالتأذن ، كان كأنه قيل : فأسرعنا في عقابهم بذنوبهم وبعثنا عليهم من سامهم سوء العذاب بالقتل والسبي ، فعطف عليه قوله : { وقطعناهم } أي بسبب ما حصل لهم من السبي المترتب على العذاب بما لنا من العظمة تقطيعاً كثيراً بأن أكثرناًُ تفريقهم{[33890]} { في الأرض } حال كونهم { أمماً } يتبع بعضهم بعضاً ، فصار في كل بلدة قليل منهم ليست{[33891]} لهم شوكة ولا يدفعون عن أنفسهم ظلماً .

ولما كان كأنه قيل : فهل أطبقوا بعد{[33892]} هذا العذاب على الخير ؟ قيل :لا ، بل فرقتهم الأديان نحو فرقة{[33893]} الأبدان { منهم الصالحون } أي الذين{[33894]} ثبتوا على دينهم إلى أن جاء الناسخ له فتبعوه امتثالاً لدعوة كتابهم { ومنهم دون ذلك } أي بالفسق تارة وبالكفر أخرى { وبلوناهم } أي عاملناهم معاملة المبتلى ليظهر للناس ما نحن به منهم عالمون { بالحسنات } أي النعم { والسيئات } أي النقم { لعلهم يرجعون* } أي ليكون حالهم حال من يرجى رجوعه عن غيه رغبة أو رهبة .


[33869]:- آية 60 .
[33870]:- من ظ، وفي الأصل: لم يحفظ ويعمل.
[33871]:- من ظ، وفي الأصل: لم يحفظ ويعمل.
[33872]:- في ظ: الذي.
[33873]:- في الأصل: يهاب، وفي ظ: تهاب.
[33874]:- من ظ، وفي الأصل: يدوم.
[33875]:- زيد من ظ.
[33876]:-سقط من ظ.
[33877]:- في ظ: بالعذاب.
[33878]:- في الأصل وظ: لا يقودوا-كذا.
[33879]:- زيد من ظ.
[33880]:- سقط ما بين الرقمين من ظ.
[33881]:-سقط ما بين الرقمين من ظ.
[33882]:- من ظ، وفي الأصل: تسعة.
[33883]:- في ظ: من.
[33884]:-سقط من ظ.
[33885]:- من ظ، وفي الأصل: إلى.
[33886]:- زيد من ظ.
[33887]:- سقط من ظ.
[33888]:- سقط من ظ.
[33889]:- من ظ، وفي الأصل: يرى.
[33890]:- في ظ: تقريعهم.
[33891]:- من ظ، وفي الأصل: كسبت.
[33892]:- زيد ما بين الحاجزين من ظ.
[33893]:- من ظ، وفي الأصل: فرقوا.
[33894]:- زيد بعده في الأصل: من، ولم تكن الزيادة في ظ فحذفناها.