الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{قَالَ بَلۡ فَعَلَهُۥ كَبِيرُهُمۡ هَٰذَا فَسۡـَٔلُوهُمۡ إِن كَانُواْ يَنطِقُونَ} (63)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{قال} إبراهيم: {بل فعله كبيرهم هذا} يعني: أعظم الأصنام الذي في يده الفأس، غضب حين سويتم بينه وبين الأصنام الصغار، فقطعها.

{فسئلوهم إن كانوا ينطقون} يقول: سلوا الأصنام المجذوذة من قطعها؟ إن قدروا على الكلام.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

[نص مكرر لاشتراكه مع الآية 62]

يقول تعالى ذكره: فأتوا بإبراهيم، فلما أتوا به قالوا له: أأنت فعلت هذا بآلهتنا من الكسر بها يا إبراهيم؟ فأجابهم إبراهيم: بل فعله كبيرهم هذا وعظيمهم، فاسألوا الآلهة من فعل بها ذلك وكسرها إن كانت تنطق أو تعبر عن نفسها...

عن قَتادة، قوله:"بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهِمْ هَذَا..." وهي هذه الخصلة التي كادهم بها.

وقد زعم بعض من لا يصدّق بالآثار ولا يقبل من الأخبار إلا ما استفاض به النقل من العوامّ، أن معنى قوله: "بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهِمْ هَذَا "إنما هو: بل فعله كبيرهم هذا إن كانوا ينطقون فاسألوهم، أي إن كانت الاَلهة المكسورة تنطق فإن كبيرهم هو الذي كسرهم. وهذا قول خلاف ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن إبراهيم لم يكذب إلا ثلاث كذبات كلها في الله، قوله: "بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهِمْ هَذَا"، وقوله: "إنّي سَقِيمٌ"، وقوله لسارة: هي أختي. وغير مستحيل أن يكون الله تعالى ذكْره أذِن لخليله في ذلك، ليقرّع قومه به، ويحتجّ به عليهم، ويعرّفهم موضع خطئهم، وسوء نظرهم لأنفسهم، كما قال مؤذّن يوسف لإخوته: أيّتُها العيرُ إنّكُمْ لَسارِقُونَ ولم يكونوا سرقوا شيئا.

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

فقال لهم إبراهيم عليه السلام {بل فعله كبيرهم} هذا على معنى الاحتجاج عليهم أي إنه غار من أن يعبد وتعبد الصغار معه ففعل هذا بها لذلك، وقالت فرقة هي الأكثر إن هذا الكلام قاله إبراهيم عليه السلام لأنها كذبة في ذات الله تؤدي إلى خزي قوم كافرين والحديث الصحيح يقتضي ذلك وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم، «لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات: قوله {إني سقيم} [الصافات: 89] وقوله {بل فعله كبيرهم هذا} وقوله للملك هي اختي» ثم تطرق إلى موضع خزيهم بقوله {فاسألوهم إن كانوا ينطقون} على جهة التوقيف. وذهبت فرقة إلى نفي الكذب عن هذه المقالات، وقالت فرقة معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم «لم يكذب إبراهيم» أي لم يقل كلاماً ظاهره الكذب أو يشبه الكذب وذهبت إلى تخريج هذه المقالات فخرجت هذه الآية على معنى أنه أراد تعليق فعل الكبير بنطق الآخرين كأنه قال بل هو الفاعل إن نطق هؤلاء ولم يخرج الخبر، على أن الكبير فعل ذلك، وفي الكلام تقديم على هذا التأويل في قوله {فاسألوهم}. وذهب الفراء إلى جهة أخرى بأن قال قوله {فعله} ليس من الفعل وإنما هو فلعله على جهة التوقع حذف اللام على قولهم عله بمعنى لعله ثم خففت اللام، وهذا تكلف.

أحكام القرآن لابن العربي 543 هـ :

{بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا}: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي ظَاهِرِ الْمَقْصُودِ بِهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هَذَا تَعْرِيضٌ، وَفِي التَّعَارِيضِ مَنْدُوحَةٌ عَنْ الْكَذِبِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ إنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ؛ فَشَرَطَ النُّطْقَ فِي الْفِعْلِ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ: لِأَنَّهُ عَدَّدَهُ عَلَى نَفْسِهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ التَّعْرِيضِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَهُمْ وَيَتَّخِذُونَهُمْ آلِهَةً دُونَ اللَّهِ، وَهُمْ كَمَا قَالَ إبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْك شَيْئًا؟ فَقَالَ إبْرَاهِيمُ: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا، لِيَقُولُوا إنَّهُمْ لَا يَنْطِقُونَ وَلَا يَفْعَلُونَ وَلَا يَنْفَعُونَ وَلَا يَضُرُّونَ؛ فَيَقُولُ لَهُمْ: فَلِمَ تَعْبُدُونَ؟ فَتَقُومُ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ مِنْهُمْ. وَلِهَذَا يَجُوزُ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ فَرْضُ الْبَاطِلِ مَعَ الْخَصْمِ حَتَّى يَرْجِعَ إلَى الْحَقِّ من ذَاتِ نَفْسِهِ، فَإِنَّهُ أَقْرَبُ فِي الْحُجَّةِ وَأَقْطَعُ لِلشُّبْهَةِ، كَمَا قَالَ لِقَوْمِهِ: هَذَا رَبِّي، عَلَى مَعْنَى الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، حَتَّى إذَا أَفَلَ مِنْهُمْ تَبَيَّنَ حُدُوثُهُ، وَاسْتِحَالَةُ كَوْنِهِ إلَهًا.

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

{قال} متهكماً بهم وملزماً بالحجة: {بل فعله كبيرهم} غيره من أن يعبد معه من هو دونه، وهذا على طريق إلزام الحجة؛ وتقييده بقوله: {هذا} إشارة إلى الذي تركه بغير كسر يدل على أنه كان فيهم كبير غيره. وكذا التنكير فيما مضى من قوله {إلا كبيراً لهم} وهذا -مع كونه تهكماً بهم وكناية عن أنهم لا عقل لهم لعبادتهم من يعلمون أنه لا يقدر على فعل ما- تنبيه على قباحة الشرك، وأنه لا يرضى به إله بل يهلك من عبد غيره وكل ما عبد من دونه إن كان قادراً، غيره على مقامه العظيم، ومنصبه الجسيم.

ولما أخبرهم بذلك، ولم يكن أحد رآه حتى يشهد على فعله، وكانوا قد أحلوهم بعبادتهم ووضع الطعام لهم محل من يعقل، سبب عنه أمرهم بسؤالهم فقال: {فاسألوهم} أي عن الفاعل ليخبروكم به {إن كانوا ينطقون} على زعمكم أنهم آلهة يضرون وينفعون، فإن قدروا على النطق أمكنت منهم القدرة وإلا فلا، أما سؤال الصحيح فواضح، وأما غيره فكما يسأل الناس من جرح أو قطعت يده أو رجله أو ضرب وسطه وبقيت فيه بقية من رمق، وإسناده الفعل ما لا يصح إسناده إليه وأمره بسؤاله بعد الإضراب عن فعله متضمن لأنه هو الفاعل.

تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :

وأراد الأصنام المكسرة اسألوها لم كسرت؟ والصنم الذي لم يكسر، اسألوه لأي شيء كسرها، إن كان عندهم نطق، فسيجيبونكم إلى ذلك، وأنا وأنتم، وكل أحد يدري أنها لا تنطق ولا تتكلم، ولا تنفع ولا تضر، بل ولا تنصر نفسها ممن يريدها بأذى.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

فأما إبراهيم فهو يتهكم بهم ويسخر منهم، وهو فرد وحده وهم كثير. ذلك أنه ينظر بعقله المفتوح وقلبه الواصل فلا يملك إلا أن يهزأ بهم ويسخر، وأن يجيبهم إجابة تناسب هذا المستوى العقلي الدون: (قال: بل فعله كبيرهم هذا. فاسألوهم إن كانوا ينطقون).. والتهكم واضح في هذا الجواب الساخر. فلا داعي لتسمية هذه كذبة من إبراهيم -عليه السلام- والبحث عن تعليلها بشتى العلل التي اختلف عليها المفسرون. فالأمر أيسر من هذا بكثير! إنما أراد أن يقول لهم: إن هذه التماثيل لا تدري من حطمها إن كنت أنا أم هذا الصنم الكبير الذي لا يملك مثلها حراكا. فهي جماد لا إدراك له أصلا. وأنتم كذلك مثلها مسلوبو الإدراك لا تميزون بين الجائز والمستحيل. فلا تعرفون إن كنت أنا الذي حطمتها أم إن هذا التمثال هو الذي حطمها! (فاسألوهم إن كانوا ينطقون)!

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

قوله تعالى {بل} إبطال لأن يكون هو الفاعل لذلك، فنفى أن يكون فعَل ذلك، لأن (بل) تقتضي نفي ما دل على كلامهم من استفهامه. وقوله تعالى {فعله كبيرهم هذا} الخبر مستعمل في معنى التشكيك، أي لعله فعله كبيرهم إذ لم يقصد إبراهيم نسبة التحطيم إلى الصنم الأكبر لأنه لم يدع أنه شاهد ذلك، ولكنه جاء بكلام يفيد ظنه بذلك حيث لم يَبق صحيحاً من الأصنام إلا الكبير... أما الإخبار بقوله {فعله كبيرهم هذا} فليس كذباً وإن كان مخالفاً للواقع ولاعتقاد المتكلم؛ لأن الكلام والأخبار إنما تستقر بأواخرها وما يعقبها، كالكلام المعقب بشرط أو استثناء، فإنه لما قصد تنبيههم على خطأ عبادتهم للأصنام مهدّ لذلك كلاماً هو جار على الفرض والتقدير، فكأنه قال: لو كان هذا إلهاً لما رضي بالاعتداء على شركائه، فلما حصل الاعتداء عليهم بمحضر كبيرهم تعين أن يكون هو الفاعلَ لذلك، ثم ارتقى في الاستدلال بأن سلبَ الإلهية عن جميعهم بقوله {إن كانوا ينطقون} كما تقدم. فالمراد من الحديث أنها كذبات في بادئ الأمر، وأنها عند التأمل يظهر المقصود منها. وذلك أن النهي عن الكذب إنما علته خدع المخاطب وما يتسبب على الخبر المكذوب من جريان الأعمال على اعتبار الواقعُ بخلافه، فإذا كان الخبر يُعقب بالصدق لم يكن ذلك من الكذب، بل كان تعريضاً أو مزحاً أو نحوهما. وشمل ضمير {فاسألوهم} جميع الأصنام ما تحطم منها وما بقي قائماً. والقوم وإن علموا أن الأصنام لم تكن تتكلم من قبل إلا أن إبراهيم أراد أن يقنعهم بأن حدثاً عظيماً مثل هذا يوجب أن ينطقوا بتعيين من فعلَه بهم...

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

{فَاسألُوهُمْ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ} فهم الذين يجب أن يوجه إليهم السؤال، لأنهم هم الذين كانوا محلاً للاعتداء، وهم الأعرف بالمعتدي. فوجِّهوا إليهم السؤال إن كانوا يملكون منطقاً للجواب. إنه يريد أن يصدم عقيدتهم بالحقيقة الدامغة، ولكنهم لا يريدون أن يفكروا في نتائجها السلبية على العقيدة، ليقودهم إلى التفكير من جديد، وإلى القبول بإدارة الحوار حولها. وعلى ضوء هذا، فإن إبراهيم لم يكذب في كلامه باتهام الصنم الكبير، لأنه لم يقصد الحكاية عن الواقع، بل قصد التمهيد لإظهار الحقيقة للوصول إلى النتائج الإيجابية في خط الدعوة.

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

فأجابهم إبراهيم جواباً أفحمهم، وجعلهم في حيرة لم يجدوا منها مخرجاً (قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون).

إنّ من أسس علم معرفة الجرائم أن يكون المتّهم بادية عليه آثار الجريمة، والملاحظ هنا أنّ آثار الجريمة كانت باديةً على يد الصنم الكبير، [وفقاً للرواية المعروفة: إنّ إبراهيم جعل الفأس على رقبة الصنم الكبير].

لماذا تأتون إليّ؟ ولماذا لا تتّهمون إلهكم الكبير؟ ألا تحتملون أنّه غضب على الآلهة الصغيرة، أو إنّه اعتبرهم منافسيه في المستقبل فعاقبهم؟

ولمّا كان ظاهر هذا التعبير لا يطابق الواقع في نظر المفسّرين، ولمّا كان إبراهيم نبيّاً معصوماً ولا يكذب أبداً، فقد ذكروا تفاسير مختلفة، وأفضلها كما يبدو هو:

إنّ إبراهيم (عليه السلام) قد نسب العمل إلى كبير الأصنام قطعاً، إلاّ أنّ كلّ القرائن تشهد أنّه لم يكن جادّاً في قصده، بل كان يريد أن يزعزع عقائد الوثنيين الخرافية الواهية، ويفنّدها أمامهم، ويُفهم هؤلاء أنّ هذه الأحجار والأخشاب التي لا حياة فيها ذليلة وعاجزة إلى الحدّ الذي لا تستطيع أن تتكلّم بجملة واحدة تستنجد بعبّادها، فكيف يريدون منها أن تحلّ معضلاتهم؟!

ونظير هذا التعبير كثير في محادثاتنا اليوميّة، فنحن إذا أردنا إبطال أقوال الطرف المقابل نضعِ أمامه مسلّماته على هيئة الأمر أو الإخبار أو الاستفهام، وهذا ليس كذباً أبداً، بل الكذب هو القول الذي لا يمتلك القرينة معه.

وفي رواية عن الإمام الصادق (عليه السلام) في كتاب الكافي: «إنّما قال: بل فعله كبيرهم، إرادة الإصلاح، ودلالة على أنّهم لا يفعلون» ثمّ قال: «والله ما فعلوه وما كذّب».

واحتمل جمع من المفسّرين أنّ إبراهيم قد أدّى هذا المطلب بشكل جملة شرطيّة وقال: إنّ الأصنام إذا كانت تتكلّم فإنّها قد فعلت هذا الفعل، ومن المسلّم أنّ هذا التعبير لم يكن خلاف الواقع، لأنّ الأصنام لم تكن تتكلّم، ولم تكن قد أقدمت على مثل هذا العمل، ولم يصدر منها، ووردت رواية في مضمون هذا التّفسير أيضاً.

إلاّ أنّ التّفسير الأوّل يبدو هو الأقرب، لأنّ الجملة الشرطيّة «إن كانوا ينطقون» جواب الطلب في «فاسألوهم»، وليست شرطاً لجملة «بل فعله كبيرهم». (فلاحظوا بدقّة).

واللطيفة الأخرى التي ينبغي الالتفات إليها هي: إنّ العبارة هي أنّه يجب أن يسأل من الأصنام المحطّمة الأيدي والأرجل عمّن فعل بها ذلك، لا من الصنم الكبير، لأنّ ضمير (هم)، وكذلك ضمائر «إن كانوا ينطقون» كلّها بصيغة الجمع، وهذا أنسب مع التّفسير الأوّل.

لقد هزّت كلمات إبراهيم الوثنيين وأيقظت ضمائرهم النائمة الغافلة، وأزاح الرماد عن شعلة النّار فأضاءها، وأنار فطرتهم التوحيديّة من خلف حجب التعصّب والجهل.

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{قَالَ بَلۡ فَعَلَهُۥ كَبِيرُهُمۡ هَٰذَا فَسۡـَٔلُوهُمۡ إِن كَانُواْ يَنطِقُونَ} (63)

فقال لهم إبراهيم على جهة الاحتجاج عليهم : " بل فعله كبيرهم هذا " . فقال لهم إبراهيم على جهة الاحتجاج عليهم : " بل فعله كبيرهم هذا " . أي : إنه غار وغضب من أن يعبد هو ويعبد الصغار معه ففعل هذا بها لذلك ، إن كانوا ينطقون فاسألوهم . فعلق فعل الكبير بنطق الآخرين ؛ تنبيها لهم على فساد اعتقادهم . كأنه قال : بل هو الفاعل إن نطق هؤلاء . وفي الكلام تقديم على هذا التأويل في قوله : " فاسألوهم إن كانوا ينطقون " . وقيل : أراد بل فعله كبيرهم إن كانوا ينطقون . بين أن من لا يتكلم ولا يعلم ولا يستحق أن يعبد . وكان قول من المعاريض ، وفي المعاريض مندوحة عن الكذب . أي سلوهم إن نطقوا فإنهم يصدقون ، وإن لم يكونوا ينطقون فليس هو الفاعل . وفي ضمن هذا الكلام اعتراف بأنه هو الفاعل وهذا هو الصحيح ؛ لأنه عدده على نفسه ، فدل أنه خرج مخرج التعريض . وذلك أنهم كانوا يعبدونهم ويتخذونهم آلهة من دون الله ، كما قال إبراهيم لأبيه : " يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر " {[11288]} [ مريم : 42 ] - الآية - فقال إبراهيم : " بل فعله كبيرهم هذا " ليقولوا إنهم لا ينطقون ولا ينفعون ولا يضرون ، فيقول لهم فلم تعبدونهم ؟ فتقوم عليهم الحجة منهم ، ولهذا يجوز عند الأمة فرض الباطل مع الخصم حتى يرجع إلى الحق من ذات نفسه ، فإنه أقرب في الحجة وأقطع للشبهة ، كما قال لقومه : " هذا ربي " {[11289]} وهذه أختي و " إني سقيم " {[11290]} وبل فعله كبيرهم هذا " وقرأ ابن السميقع " بل فعله " بتشديد اللام بمعنى فلعل الفاعل كبيرهم . وقال الكسائي : الوقف عند قوله : " بل فعله " أي فعله من فعله ، ثم يبتدئ " كبيرهم هذا " . وقيل : أي لم ينكرون أن يكون فعله كبيرهم ؟ فهذا إلزام بلفظ الخبر . أي من اعتقد عبادتها يلزمه أن يثبت لها فعلا ، والمعنى : بل فعله كبيرهم فيما يلزمكم .

الثانية-روى البخاري ومسلم والترمذي أبى عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لم يكذب إبراهيم النبي في شيء قط إلا في ثلاث : " إني سقيم " [ الصافات : 89 ] وقوله لسارة أختي وقوله " بل فعله كبيرهم " ) لفظ الترمذي . وقال : حديث حسن صحيح . ووقع في الإسراء في صحيح مسلم ، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه في قصة إبراهيم قال : وذكر قوله في الكوكب " هذا ربي " . فعلى هذا تكون الكذبات أربعا إلا أن الرسول قد نفى تلك بقوله : ( لم يكذب إبراهيم النبي قط إلا في ثلاث كذبات ثنتين في ذات الله قوله : " إني سقيم " [ الصافات : 89 ] وقوله : " بل فعله كبيرهم " وواحدة في شأن سارة ) الحديث لفظ مسلم وإنما يعد عليه قوله في الكوكب : " هذا ربي " [ الأنعام : 78 ] كذبة وهي داخلة في الكذب ؛ لأنه - والله أعلم - كان حين قال ذلك في حال الطفولة ، وليست حالة تكليف . أو قال لقومه مستفهما لهم على جهة التوبيخ الإنكار ، وحذفت همزة الاستفهام . أو على طريق الاحتجاج على قومه : تنبيها على أن ما لا يصلح للربوبية . وقد تقدمت هذه الوجوه كلها في " الأنعام " {[11291]} مبينة والحمد لله .

الثالثة- قال القاضي أبو بكر بن العربي : في هذا الحديث نكتة عظمى تقصم الظهر ، وهي أنه عليه السلام قال : ( لم يكذب إبراهيم إلا في ثلاث كذبات ثنتين مَاحَلَ بهما عن دين الله وهما قول " إني سقيم " [ الصافات : 89 ] وقوله " بل فعله كبيرهم " ولم يعد [ قوله ]{[11292]} هذه أختي في ذات الله تعالى وإن كان دفع بها مكروها ، ولكنه لما كان لإبراهيم عليه السلام فيها حظ من صيانة فراشه وحماية أهله ، لم يجعلها في ذات الله ، وذلك لأنه لا يجعل في جنب الله وذاته إلا العمل الخالص من شوائب الدنيا ، والمعاريض التي ترجع إلى النفس إذا خلصت للدين كانت لله سبحانه ، كما قال : " ألا لله الدين الخالص " {[11293]} [ الزمر : 3 ] . وهذا لو صدر منا لكان لله ، لكن منزلة إبراهيم اقتضت هذا . والله أعلم .

الرابعة-قال علماؤنا : الكذب هو الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو عليه . والأظهر أن قول إبراهيم فيما أخبر عنه عليه السلام كان من المعاريض ، وإن كانت معاريض وحسنات وحججا في الخلق ودلالات ، لكنها أثرت في الرتبة ، وخفضت عن محمد المنزلة ، واستحيا منها قائلها ، على ما ورد في حديث الشفاعة ، فإن الأنبياء مما لا يشفق منه غيرهم إجلالا لله ، فإن الذي كان يليق بمرتبته في النبوة والخلة ، أن يصدع بالحق ويصرح بالحق لأمر كيفما كان ، ولكنه رخص له فقبل الرخصة فكان ما كان من القصة ، والقصة جاء في حديث الشفاعة ( إنما اتخذت خليلا من وراء وراء ) بنصب وراء فيهما على البناء كخمسة عشر ، وكما قالوا جاري بيت بيت . ووقع في بعض نسخ مسلم ( من وراء من وراء ) بإعادة من ، وحينئذ لا يجوز البناء على الفتح ، وإنما يبني كل واحد منهما على الضم ؛ لأنه قطع عن الإضافة ونوى المضاف كقبل وبعد ، وإن لم ينو المضاف أعرب ونون غير أن وراء لا ينصرف ؛ لأن ألفه للتأنيث ؛ لأنهم قالوا في تصغيرها ورية ، قال الجوهري : وهي شاذة . فعلى هذا الفتح فيهما مع وجود " من " فيهما . والمعنى إني كنت خليلا متأخرا عن غيري . ويستفاد من هذا أن الخلة لم تصح بكمالها إلا لمن صح له في ذلك اليوم المقام المحمود كما تقدم . وهو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم .


[11288]:راجع ص 110 من هذا الجزء.
[11289]:راجع جـ 7 ص 25.
[11290]:راجع جـ 15 ص 19 فما بعد.
[11291]:راجع جـ 7 ص 25 فما بعد.
[11292]:الزيادة من "أحكام القرآن" لابن العربي.
[11293]:راجع جـ 15 ص 232 فما بعد.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{قَالَ بَلۡ فَعَلَهُۥ كَبِيرُهُمۡ هَٰذَا فَسۡـَٔلُوهُمۡ إِن كَانُواْ يَنطِقُونَ} (63)

قوله : ( قال بل فعله كبيرهم هذا ) أسند الفعل وهو التهشيم إلى كبيرهم ، وما كان قصد إبراهيم عليه الصلاة والسلام أن ينسب الفعل الصادر عنه إلى الصنم ، وإنما قصده تقرير ذلك لنفسه على أسلوب تعريضي مستهزئ يبلغ فيه غرضه من إلزامهم الحجة مع ما يصاحب ذلك من تقريع لهم وتبكيت . حتى إذا تفكروا مليا علموا أن كبيرهم لهو عاجز عن فعل شيء ؛ فهو لا يصلح إلها وإنما الله هو الإله الواحد الحق ، وليس من إله معبود سواه . وذلك كان مراد إبراهيم عليه السلام . أما ما نسب إلى إبراهيم من كذبة حسبت عليه ، فالصواب في ذلك أن ما قاله إبراهيم ههنا كان من باب المعاريض المباحة وليس الكذب الممحض .

قوله : ( فسألوهم إن كانوا ينطقون ) دعاهم إبراهيم أن يسألوا الأصنام عن حالهم ليبادروا من أنفسهم فيوقنوا أنها لا تنطق مؤملا عقب ذلك تحررهم من ضلالهم وإشراكهم وإيغالهم في عبادة الأصنام .