جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَخَرَجَ زَكَرِيَّا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ مُصَلَّاهُ حِينَ حُبِسَ لِسَانُهُ عَنْ كَلَامِ النَّاسِ آيَةً مِنَ اللَّهِ لَهُ عَلَى حَقِيقَةِ وَعْدِهِ إِيَّاهُ مَا وَعَدَ... قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: {فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ} قَالَ: الْمِحْرَابُ: مُصَلَّاهُ، وَقَرَأَ: {فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ} [آل عمران: 39]...
وَقَوْلُهُ: {فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ} يَقُولُ: أَشَارَ إِلَيْهِمْ، وَقَدْ تَكُونُ تِلْكَ الْإِشَارَةُ بِالْيَدِ وَبِالْكِتَابِ وَبِغَيْرِ ذَلِكَ، مِمَّا يُفْهَمُ بِهِ عَنْهُ مَا يُرِيدُ... وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَعْنَى الَّذِي بِهِ أَوْحَى إِلَى قَوْمِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَوْحَى إِلَيْهِمْ إِشَارَةً بِالْيَدِ...
وَقَوْلُهُ: {أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا} قَدْ بَيَّنْتُ فِيمَا مَضَى الْوُجُوهَ الَّتِي يَنْصَرِفُ فِيهَا التَّسْبِيحُ، وَقَدْ يَجُوزُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ أَنْ يَكُونَ عَنَى بِهِ التَّسْبِيحَ الَّذِي هُوَ ذِكْرُ اللَّهِ، فَيَكُونُ أَمْرُهُمْ بِالْفَرَاغِ لِذِكْرِ اللَّهِ فِي طَرَفَيِ النَّهَارِ بِالتَّسْبِيحِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَنَى بِهِ الصَّلَاةَ، فَيَكُونُ أَمْرُهُمْ بِالصَّلَاةِ فِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ...
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
وجائز أن يكون {فأوحى إليهم} بالشفتين على ما ذكر في آية أخرى {ثلاثة أيام إلا رمزا} (آل عمران: 41) والرمز هو تحريك الشفة والإيماء بها...
يحتمل قوله: {أن سبحوا} أي صلوا لله {بكرة وعشيا} فإن التسبيح هو الصلاة ففيه أن الصلاة كانت في الأمم الماضية في ختم الليل. ويحتمل التسبيح نفسه والثناء على الله والدعاء بالغدوات والعشيات.
قال أبو عبيدة: المحراب صَدْرُ المجلس، ومنه محراب المسجد. وقيل: إن المحراب الغرفة، ومنه قوله تعالى: {إِذْ تَسَوّروا المِحْرَابَ} [ص: 21]. وقيل: المحراب المصلَّى...
التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :
حكى الله تعالى أن زكريا "خرج على قومه من المحراب "والأصل فيه مجلس الأشراف الذي يحارب دونه ذبا عن أهله... والإيحاء: إلقاء المعنى إلى النفس في خفى بسرعة من الأمر...
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
أي فلمَّا خرج عليهم عرَّفهم -من طريق الإشارة- أنَّ اللسانَ الذي كان يخاطبهم به ليس الآن منطلقاً..
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
{فخرج على قومه} المعنى أن الله تعالى أظهر الآية بأن خرج زكرياء من محرابه وهو موضع مصلاه، و {المحراب} أرفع المواضع والمباني إذ هي تحارب من ناوأها، ثم خص بهذا الاسم مبنى الصلاة، وكانوا يتخذونها فيما ارتفع من الأرض، واختلف الناس في اشتقاقه، فقالت فرقة: هو مأخوذ من الحرب كأن ملازمه يحارب الشيطان والشهوات، وقالت فرقة: هو مأخوذ من الحرَب بفتح الراء كأن ملازمه يلقى منه حرباً وتعباً ونصباً، وفي اللفظ بعد هذا نظر...
البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي 745 هـ :
وقال صاحب التحرير والتحبير: وعندي في هذا معنى لطيف وهو أنه إنما خص بالتسبيح بالذكر لأن العادة جارية أن كل من رأى أمراً عجب منه أو رأى فيه بديع صنعة أو غريب حكمة يقول: سبحان الله سبحان الخالق، فلما رأى حصول الولد من شيخ وعاقر عجب من ذلك فسبح وأمر بالتسبيح، انتهى.
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
{فخرج} عقب إعلام الله له بهذا {على قومه} أي عالياً على العلية منهم {من المحراب} الذي كان فيه وهو صدر الهيكل وأشرف ما فيه، وهو منطلق اللسان بذكر الله منحبسه عن كلام الناس {فأوحى إليهم} أي أشار بشفتيه من غير نطق: قال الإمام أبو الحسن الرماني في آل عمران: والرمز: الإيماء بالشفتين، وقد يستعمل في الإيماء بالحاجبين والعينين واليدين، والأول أغلب؛ قال: وأصله الحركة. {أن سبحوا} أي أوجدوا التنزيه والتقديس لله تعالى بالصلاة وغيرها...
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
"فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا" ذلك ليعيشوا في مثل الجو الذي يعيش فيه، وليشكروا الله معه على ما أنعم عليه وعليهم من بعده...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
الظاهر أن المعنى أنه خرج على قومه ليصلي على عادته، فكان في محرابه في صلاة خاصة ودعاء خفي، ثم خرج لصلاة الجماعة إذ هو الحبر الأعظم لهم. وضمن {خرج} معنى طلع فعدي بعلى كقوله تعالى: {فخرج على قومه في زينته} [القصص: 79]...
و (أن) تفسيرية. وجملة {سبّحوا بكرة وعشِيّاً} تفسير (لأَوْحى)، لأن (أوحى) فيه معنى القول دون حروفه. وإنما أمرهم بالتسبيح لئلا يحسبوا أن زكرياء لما لم يكلمهم قد نذر صمتاً فيقتدوا به فيصمتوا، وكان الصمت من صنوف العبادة في الأمم السالفة، كما سيأتي في قوله تعالى: {فقولي إني نذرت للرحمن صوماً فلن أكلم اليوم إنسياً} [مريم: 26]. فأومأ إليهم أن يشرعوا فيما اعتادوه من التسبيح؛ أو أراد أن يسبحوا الله تسبيح شكر على أن وهب نبيئهم ابناً يرث علمه، ولعلهم كانوا علموا ترقبه استجابه دعوته، أو أنه أمرهم بذلك أمراً مبهماً يفسره عندما تزول حبْسة لسانه...
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
ومهما يكن اشتقاقه فهو أشرف مكان خرج على قومه منه وأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا، وقد دعا قومه للمشاركة في هذا بالإشارة لشكر الله تعالى لما تأكد من العلامة أن الله تعالى وهبه الولد الذي يكون وليا. والتسبيح: التقديس، والتسبيح في العشي والإبكار يفيد أنه تسبيح طوال النهار وطرفا من الليل، وكانت دعوة قومه للتسبيح معه، لأنه ذلك الولي الذي جعله رضيا سيكون مصدر خير لهم، ولأنه يكون خلفا من الإيمان بالأسباب والمسببات إلى الإيمان بالله الفعال لما يريد...
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
لأن التسبيح بما يعنيه من استلهام عظمة الله من عظمة خلقه، وبما يشيعه من إحساس بالخشية من الله هو السبيل للالتزام الواعي بالخط المستقيم.
قوله تعالى : { فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا } فيه خمس مسائل :
الأولى-قوله تعالى : " فخرج على قومه من المحراب " أي أشرف عليهم من المصلى . والمحراب أرفع المواضع ، وأشرف المجالس ، وكانوا يتخذون المحاريب فيما ارتفع من الأرض ، دليله محراب داود عليه السلام على ما يأتي . واختلف الناس في اشتقاقه ، فقالت فرقة : هو مأخوذ من الحرب كأن ملازمه يحارب الشيطان والشهوات . وقالت فرقة : هو مأخوذ من الحرب ( بفتح الراء ) كأن ملازمه يلقى منه حربا وتعبا ونصبا .
الثانية-هذه الآية تدل على أن ارتفاع إمامهم على المأمومين كان مشروعا عندهم في صلاتهم . وقد اختلف في هذه المسألة فقهاء الأمصار ، فأجاز ذلك الإمام أحمد وغيره متمسكا بقصة المنبر . ومنع مالك ذلك في الارتفاع الكثير دون اليسير ، وعلل أصحابه المنع بخوف الكبر على الإمام .
قلت : وهذا فيه نظر ، وأحسن ما فيه ما رواه أبو داود عن همام أن حذيفة أم الناس بالمدائن على دكان ، فأخذ أبو مسعود بقميصه فجبذه{[10796]} ، فلما فرغ من صلاته قال : ألم تعلم أنهم كانوا ينهون عن هذا - أو ينهى عن ذلك ! قال : بلى قد ذكرت حين مددتني ، وروي أيضا عن عدي بن ثابت الأنصاري قال : حدثني رجل أنه كان مع عمار بن ياسر بالمدائن ، فأقيمت الصلاة فتقدم عمار بن ياسر ، وقام على دكان يصلي والناس أسفل منه ، فتقدم حذيفة فأخذ على يديه فاتبعه عمار حتى أنزل حذيفة ، فلما فرغ عمار من صلاته ، قال له حذيفة : ألم تسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إذا أم الرجل القوم فلا يقم في مكان أرفع من مقامهم ) أو نحو ذلك ، فقال عمار : لذلك اتبعتك حين أخذت على يدي .
قلت : فهؤلاء ثلاثة من الصحابة قد أخبروا بالنهي عن ذلك ، ولم يحتج أحد منهم على صاحبه بحديث المنبر فدل على أنه منسوخ ، ومما يدل على نسخه أن فيه عملا زائدا في الصلاة ، وهو النزول والصعود ، فنسخ كما نسخ الكلام والسلام . وهذا أولى مما اعتذر به أصحابنا من أن النبي صلى الله عليه وسلم كان معصوما من الكبر ؛ لأن كثيرا من الأئمة يوجد لا كبر عندهم ، ومنهم من علله بأن ارتفاع المنبر كان يسيرا ، والله أعلم .
الثالثة-قوله تعالى : " فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا " قال الكلبي وقتادة وابن منبه : أوحى إليهم أشار . القتبي : أومأ{[10797]} . مجاهد : كتب على الأرض . عكرمة : كتب في كتاب . والوحي في كلام العرب الكتابة ، ومنه قول ذي الرمة :
سوى الأربع الدُّهم اللواتي كأنها *** بقِيَّةُ وحْيٍ في بطون الصحائف
كوحيِ صحائفٍ من عهد كسرى *** فأهداها لأعجم طِمْطِمِيِّ{[10798]}
و " بكرة وعشيا " ظرفان . وزعم الفراء أن العشي يؤنث ويجوز تذكيره إذا أبهمت ، قال : وقد يكون العشي جمع عشية .
الرابعة-قد تقدم الحكم في الإشارة في " آل عمران " {[10799]} واختلف علماؤنا فيمن حلف ألا يكلم إنسانا فكتب إليه كتابا ، أو أرسل إليه رسولا ، فقال مالك : إنه يحنث إلا أن ينوي مشافهته ، ثم رجع فقال : لا ينوي في الكتاب ويحنث إلا أن يرتجع الكتاب قبل وصوله . قال ابن القاسم : إذا قرأ كتابه حنث ، وكذلك لو قرأ الحالف كتاب المحلوف عليه . وقال أشهب : لا يحنث إذا قرأه الحالف ، وهذا بين ؛ لأنه لم يكلمه ولا ابتدأه بكلام إلا أن يريد ألا يعلم معنى كلامه فإنه يحنث وعليه يخرج قول ابن القاسم . فإن حلف ليكلمنه لم يبر إلا بمشافهته ، وقال ابن الماجشون : وإن حلف لئن علم كذا ليعلمنه أو ليخبرنه إليه أو أرسل إليه رسولا بر ، ولو علماه جميعا لم يبر ، حتى يعلمه لأن علمهما مختلف .
الخامسة-واتفق مالك والشافعي والكوفيون أن الأخرس إذا كتب الطلاق بيده لزمه ، قال الكوفيون : إلا أن يكون رجل أصمت أياما فكتب لم يجز من ذلك شيء . قال الطحاوي : الخرس مخالف للصمت العارض ، كما أن العجز عن الجماع العارض لمرض ونحوه يوما أو نحوه مخالف للعجز الميؤوس منه الجماع ، نحو الجنون في باب خيار المرأة في الفرقة .