{ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ } أي بقيتم على إعراضكم عن تذكيري أو أحدثتم إعراضاً مخصوصاً عن ذلك بعد وقوفكم على أمري ومشاهدتكم مني ما يدل على صحة قولي { فَمَا سَأَلْتُكُمْ } بمقابلة تذكيري ووعظي { مِنْ أَجْرٍ } تؤدونه إلي حتى يؤدي ذلك إليكم إلى توليكم إما لاتهامكم إياي بالطمع أو لثقل دفع المسؤول عليكم أو حتى يضرني توليكم المؤدي إلى الحرمان فالأول لإظهار بطلان التولي ببيان عدم ما يصححه والثاني لإظهار عدم مبالاته عليه السلام بوجوده وعدمه ، وعلى التقديرين فالفاء الأولى لترتب هذا الشرط على الجزاء قبله والفاء الثانية لسببية الشرط للإعلام بمضمون الجزاء بعده كما ذكره بعض المحققين ، أي إن توليتم فاعلموا أن ليس في مصحح له أولاً تأثر منه على حد ما قيل في قوله تعالى : { وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ على كُلّ شَىْء قَدُيرٌ } [ الأنعام : 17 ] .
وذهب بعضهم إلى أن جواب الشرط محذوف أقيم ما ذكر وهو علته مقامه أي فلا باعث لكم على التولي ولا موجب له أو فلا ضير علي بذلك ، وكلام البعض مشعر بأنه مع اعتبار الحذف والإقامة المذكورين يجىء حديث اعتبار سببية الشرط للإعلام وهو الذي يميل إليه الذوق و { مِنْ } زائدة للتأكيد أي فما سألتكم أجراً ، وقوله تعالى : { إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ عَلَى الله } تأكيد لما قبله على المعنى الأول وتعليل لاستغنائه عليه السلام على المعنى الثاني أي ما ثوابي على العظة والتذكير إلا عليه تعالى يثبني بذلك آمنتم أو توليتم ، وقوله سبحانه : { وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ المسلمين } تذييل على ما قيل لمضمون ما قبله مقرر له ، والمعنى وأمرت بأن أكون منتظماً في عداد المسلمين الذين لا يأخذون على تعليم الدين شيئاً ولا يطلبون به دنيا ، وفيه حمل الإسلام على ما يسارق الإيمان واعتبار التقييد ، وعدل عنه بعضهم لما فيه من نوع تكلف فحمل الإسلام على الاستسلام والانقياد ولم يقيد ، أي وأمرت بأن أكون من جملة المنقادين لحكمه تعالى لا أخالف أمره ولا أرجو غيره ، وفيه على هذا المعنى أيضاً من تأكيد ما تقدم وتقرير مضمونه ما لا يخفى ، ولا يظهر أمر التأكيد على تقدير أن يكون المعنى من المستسلمين لكل ما يصيب من البلاء في طاعة الله تعالى ظهوره على التقديرين السابقين ، وبالجملة أنه عليه السلام لم يقصر في إرشادهم بهذا الكلام وبلغ الغاية القصوى فيه .
وذكر بعضهم وجه نظمه على هذا الأسلوب على بعض الأوجه المحتملة فقال : إنه عليه الصلاة والسلام قال في أول الأمر : { فَعَلَى الله تَوَكَّلْتُ } [ يونس : 71 ] فبين وثوقه بربه سبحانه أي إني وثقت به فلا تظنوا بي أن تهديدكم إياي بالقتل والإيذاء يمنعني من الدعاء إلى الله تعالى ، ثم أورد عليهم ما يدل على صحة دعواه فقال :
{ فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ } [ يونس : 71 ] كأنه يقول : أجمعوا كل ما تقدرون عليه من الأشياء التي توجب حصول مطلوبكم ثم لم يقتصر على ذلك بل أمرهم أن يضيفوا إلى أنفسهم شركاءهم الذين كانوا يزعمون أن حالهم يقوى بمكانهم وبالتقرب إليهم ثم لم يقتصر على هذين بل ضم إليهما ثالثاً وهو قوله : { ثُمَّ لاَ يَكُونُواْ * أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً } [ يونس : 71 ] فأراد أن يسعوا في أمره غاية السعي ويبالغوا فيه غاية المبالغة حتى يطيب عيشهم ، ثم لم يقتصر على ذلك حتى ضم إليه رابعاً فقال : { ثُمَّ اقضوا إِلَىَّ } [ يونس : 71 ] آمراً لهم بأداء ذلك كله إليه ، ثم ضم إلى ذلك خامساً { وَلاَ تُنظِرُونَ } [ يونس : 71 ] فنهاهم عن الإمهال وفي ذلك من الدلالة على أنه عليه الصلاة والسلام قد بلغ الغاية في التوكل على الله سبحانه وأنه كان قاطعاً بأن كيدهم لا يضره ولا يصل إليه وأن مكرهم لا ينفذ فيه ما هو أظهر من الشمس وأبين من أمس ، ثم إنه عليه السلام أراد أن يجعل الحجة لازمة عليهم ويبرىء ساحته فنفي سؤاله إياهم شيئاً من الأجر وأكد ذلك بأن أجره على الله سبحانه لا على غيره مشيراً إلى مزيد كرمه جل جلاله وأنه يثيبه على فعله سأله أو لم يسأله ولذا لم يقل إن سؤالي الأجر إلا من الله تعالى ، ثم لم يكتف بذلك حتى ضم إليه أنه مأمور بما يندرج فيه عدم سؤالهم والالتفات إلى ما عندهم وأن يتصف به على أتم وجه لأن { مِنَ المسلمين } أبلغ من مسلماً كما تحقق في محله وفي ذلك قطع ما عسى أن يحول بينهم وبين إجابة دعوته والاتعاظ بعظته إلا أن القوم قد بلغوا الغاية في العناد والتمرد .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{فإن توليتم}، يعني عصيتم، {فما سألتكم من أجر}، يعني من جُعْل،
{إن أجري}، يعني ثوابي، {إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين}.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل نبيه نوح عليه السلام لقومه:"فإن توليتم" أيها القوم عني بعد دعائي إياكم وتبليغ رسالة ربي إليكم مدبرين، فأعرضتم عما دعوتكم إليه من الحقّ والإقرار بتوحيد الله وإخلاص العبادة له وترك إشراك الآلهة في عبادته، فتضييع منكم وتفريط في واجب حقّ الله عليكم، لا بسبب من قِبَلي فإني لم أسألكم على ما دعوتكم إليه أجرا ولا عوضا أعتاضه منكم بإجابتكم إياي إلى ما دعوتكم إليه من الحقّ والهُدى، ولا طلبت منكم عليه ثوابا ولا جزاء، "إنْ أجْرِيَ إلاّ على اللّهِ "يقول جلّ ثناؤه: إن جزائي وأجر عملي وثوابه إلا على ربي لا عليكم أيها القوم ولا على غيركم، "وأُمِرْتُ أن أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ" وأمرني ربي أن أكون من المذعنين له بالطاعة المنقادين لأمره ونهيه المذللين له، ومن أجل ذلك أدعوكم إليه وبأمره آمركم بترك عبادة الأوثان.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
(فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ) التولي اسم لأمرين: اسم للإعراض والإدبار كقوله: (وإذا تولى سعى في الأرض) [البقرة: 205]. واسم للإقبال والقبول أيضا كقوله: (ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا) الآية [المائدة: 56] ونحوه.
أحدهما: (فإن توليتم) أي أقبلتم، وقبلتم ما أعرضه عليكم وأدعوكم إليه (فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِي إِلاَّ عَلَى اللَّهِ).
والثاني: إن كان في الإعراض فكأنه يقول: كيف أعرضتم عن قبوله، ولم أسألكم على ذلك أجرا، فيكون لكم عذر في الإعراض والرد كقوله (أم تسألهم أجرا) [الطور: 40] أي لم أسألكم أجرا على ما أعرضه عليكم وأدعوكم إليه حتى يثقل عليكم ذلك الغرم عن الإجابة...
التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :
...الأجر: النفع المستحق بالعمل، والأجرة مضمنة بشريطة أو مجرى عادة. وقوله "إن أجري إلا على الله "أي ليس أجري في القيام بأداء الرسالة إلا على الله.
وقوله "وأمرت أن أكون من المسلمين" معناه قل لهم: أمرني الله بأن أكون من المسلمين لأمر الله بطاعته ثقة بأنها خير ما يكسبه العباد.
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
إذا كان عملِه لله لم يَطْلُبْ الأجْرَ عليه من غير الله، وهكذا سنَّته في جميع أولياء الله.
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
فإن أعرضتم عن تذكيري ونصيحتي {فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ} فما كان عندي ما ينفركم عني وتتهموني لأجله من طمع في أموالكم وطلب أجر على عظتكم، {إِنْ أَجْرِي إِلاَّ عَلَى الله} وهو الثواب الذي يثيبني به في الآخرة أي: ما نصحتكم إلاّ لوجه الله، لا لغرض من أغراض الدنيا.
{وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ المسلمين} الذين لا يأخذون على تعليم الدين شيئاً ولا يطلبون به دنيا، يريد: أن ذلك مقتضى الإسلام، والذي كل مسلم مأمور به.
والمراد أن يجعل الحجّة لازمة لهم ويبرئ ساحته، فذكر أن توليهم لم يكن [عن] تفريط منه في سوق الأمر معهم على الطريق الذي يجب أن يساق عليه، وإنما ذلك لعنادهم وتمرّدهم لا غير.
وأما قوله تعالى: {فإن توليتم فما سألتكم من أجر} فقال المفسرون: هذا إشارة إلى أنه ما أخذ منهم مالا على دعوتهم إلى دين الله تعالى.
ومتى كان الإنسان فارغا من الطمع كان قوله أقوى تأثيرا في القلب. وعندي فيه وجه آخر وهو أن يقال: إنه عليه السلام بين أنه لا يخاف منهم بوجه من الوجوه، وذلك لأن الخوف إنما يحصل بأحد شيئين؛ إما بإيصال الشر أو بقطع المنافع، فبين فيما تقدم أنه لا يخاف شرهم، وبين بهذه الآية أنه لا يخاف منهم بسبب أن يقطعوا عنه خيرا، لأنه ما أخذ منهم شيئا فكان يخاف أن يقطعوا منه خيرا.
ثم قال: {إن أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين} وفيه قولان: الأول: أنكم سواء قبلتم دين الإسلام أو لم تقبلوا، فأنا مأمور بأن أكون على دين الإسلام. والثاني: أني مأمور بالاستسلام لكل ما يصل إلي لأجل هذه الدعوة. وهذا الوجه أليق بهذا الموضع، لأنه لما قال: {ثم اقضوا إلى} بين لهم أنه مأمور بالاستسلام لكل ما يصل إليه في هذا الباب، والله أعلم.
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
{فإن توليتم} أي كلفتم أنفسكم الإعراض عن الحق بعد عجزكم عن إهلاكي ولم ينفعكم علمكم بأن الذي منعني -وأنا وحدي- منكم وأنتم ملء الأرض له العزة جميعاً وأن من أوليائه الذين تقدم وعده الصادق بأنهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون {فما} أي فلم يكن توليكم عن تفريط مني لأني سقت الأمر على ما يحب، ما {سألتكم} أي ساعة من الدهر، وأغرق في النفي فقال: {من أجر} أي على دعائي لكم يفوتني بتوليكم ولا تتهموني به في دعائكم.
ولما كان من المحال أن يفعل عاقل شيئاً لا لغرض، بين غرضه بقوله مستأنفاً: {إن} أي ما {أجري إلا على الله} أي الذي له صفات الكمال؛ ثم عطف عليه غرضاً آخر وهو إتباع الأمر خوفاً من حصول الضر فقال: {وأمرت} أي من الملك الأعلى الذي لا أمر لغيره، وبناه للمفعول للعلم بأنه هو الآمر وليزيد في الترغيب في المأمور به وتغطية بجعله عمدة الكلام بإقامته مقام الفاعل فقال {أن أكون} أي كوناً أتخلق به فلا أنفك عنه؛ ولما كان في مقام الاعتذار عن مفاجأته لهم بالإنذار، عبر بالإسلام الذي هو الأفعال الظاهرة فقال: {من المسلمين} أي الراسخين في صفة الانقياد بغاية الإخلاص، لي ما لهم وعليّ ما عليهم، أنا وهم في الإسلام سواء، لا مرية لي فيه أتهم بها، وأن أستسلم لكل ما يصيبني في الله، لا يردني ذلك عن إنفاذ أمره. والحاصل أنه لم يكن بدعائه إياهم في موضع تهمة، لا سألهم غرضاً دنيوياً يزيده إن أقبلوا ولا ينقصه إن أدبروا، ولا أتى بشيء من عند نفسه ليظن أنه أخطأ فيه ولا سلك به مسلكاً يظن به استعباده إياهم في إتباعه، بل أعلمهم بأنه أول مؤتمر بما أمرهم به مستسلم لما دعاهم إليه ولكل ما يصيبه في الله.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
واللّه سبحانه يقص قصة عبده نوح وهو يتحدى قوى الطاغوت في زمانه هذا التحدي الواضح الصريح. فلنمض مع القصة لنرى نهايتها عن قريب،
(فإن توليتم فما سألتكم من أجر. إن أجري إلا على اللّه. وأمرت أن أكون من المسلمين)
فإن أعرضتم عني وابتعدتم، فأنتم وشأنكم، فما كنت أسألكم أجراً على الهداية، فينقض أجري بتوليكم:
ولن يزحزحني هذا عن عقيدتي، فقد أمرت أن أسلم نفسي كلها للّه:
وأنا عندما أمرت به.. من المسلمين..
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
لتفريع الكلام على الكلام فجملة الشرط وجوابه مفرعتان على الجملتين السابقتين، ولما كان توليهم عن دعوته قد وقع واستمر تعين أن جعل التولي في جملة الشرط مرادٌ به ما كان حصل ليرتب عليه جواب الشرط الذي هو شيء قد وقع أيضاً. وإنما قُصد إقرارهم به قطعاً لتعللاتهم واستقصاء لقطع معاذيرهم. والمعنى: فإن كنتم قد توليتم فقد علمتُم أني ما سألتكم أجراً فتتهموني برغبة في نفع ينجر لي من دعوتكم حتى تعرضوا عنها شُحَّا بأموالكم أو اتهاماً بتكذيبي، وهذا إلزام لهم بأن توليهم لم يكن فيه احتمال تهمتهم إياه بتطلب نفع لنفسه. وبذلك برّأ نفسه من أن يكون سبباً لتولّيهم، وبهذا تعين أن المعلق بهذا الشرط هو التحقق بين مضمون جملة الشرط وجملة الجزاء لا وقوعُ جملة الجزاء عند وقوع جملة الشرط. وذلك مثل قوله تعالى: {إن كنت قلته فقد علِمتَه} في آخر سورة [العقود: 116]. وقد تقدم عند قوله تعالى: {وإنْ كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به، وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله بيننا} في سورة [الأعراف: 87].
وجملة: {إن أجري إلا على الله} تعميم لنفي تطلبه أجراً على دعوتهم سواء منهم أم من غيرهم، فالقصر حقيقي وبه يحصل تأكيد جملة: {فما سألتكم من أجر} مع زيادة التعميم. وطريقُ جزمه بأن الله يؤجره على ذلك هو وعد الله إياه به بما أوحى إليه.
وأتى بحرف (على) المفيد لكونه حقاً له عند الله بناء على وعد الله إيَّاه وأعلمه بأن الله لا يخلف وعده، فصار بالوعد حقاً على الله التزم الله به.
والأجر: العوض الذي يعطى لأجل عمل يعمله آخذ العوض.
وجملة: {وأمرت أن أكون من المسلمين} معطوفة على جملة الجواب، والتقدير فإن توليتم فأمرت أن أكون من المسلمين، أي أمرني الله أن أتبع الدين الحق ولو كنت وحدي. وهذا تأييس لهم بأن إجماعهم على التولي عنه لا يفل حده ولا يصده عن مخالفة دينهم الضلال.
وبُني فعل {أمرت} للمجهول في اللفظ للعلم به، إذ من المعلوم من سياق الكلام أنّ الذي أمره هو الله تعالى.
وقوله: {أن أكون من المسلمين} أي من الفئة التي يصدق عليها هذا الوصف وهو الإسلام، أي توحيد الله دون عبادة شريك، لأنه مشتق من إسلام العبادة وتخليصها لله تعالى دون غيره. كما في قوله تعالى: {فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعنِ} [آل عمران: 20].
وقد سمي التوحيد ودين الحق الخالص إسلاماً في مختلف العصور وسمَّى الله به سُنن الرسل فحكاه عن نوح عليه السلام هنا وعن إبراهيم بقوله تعالى: {إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين} [البقرة: 131]، وعن إسماعيل {ربنا واجعلنا مُسْلِمَين لك} [البقرة: 128]، ويعقوب وبنيه إذ حكى عنهم {ونحن له مسلمون} [البقرة: 133]، وعن يوسف {توفني مسلماً} [يوسف: 101]، وعن موسى {وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين} [يونس: 8]، وعن سليمان {أن لا تعلوا علي واتوني مسلمين} [النمل: 31]، وعن عيسى والحواريين {قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون} [المائدة: 111]. وقد تقدم بيان ذلك مفصلاً عند قوله تعالى: {ربنا واجعلنا مسلمين لك} في سورة [البقرة: 128].
وقوله: {أن أكون من المسلمين} أقوى في الدلالة على الاتصاف بالإسلام من: أن أكون مسلماً، كما تقدم عند قوله تعالى: {واركعوا مع الراكعين} في سورة [البقرة: 43]، وعند قوله: {يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} في سورة [براءة: 119].
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
هذه دعوة لينة إلى الحق بعد التحدي الذي قدمه وبعد أن بين لهم أنهم ضعفاء أمام الحق فإنه استمالهم إليه إلا أنهم عادوا فكذبوه.
إن توليتم عن دعوتي لعبادة الإله الحق، فأنا لا أدعوكم إلى مثيل لكم هو أنا، بل أدعوكم إلى من هو فوقي وفوقكم، فأنا لا أريد أن أستولي على السلطة الزمنية منكم، ولا أبحث عن جاه، فالجاه كله لله تعالى. والله لا يحتاج إلى جاه منكم لأن جاهه سبحانه ذاتي فيه، ولكن لنمنع جبروتكم وتجبركم؛ لتعيشوا على ضوء المنهج الحق؛ لتكون حياتكم صالحة، وكل ذلك لمصلحتكم...
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
{وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} الذين يعيشون إسلام الفكر والقلب والعمل لله في كل شيء، مهما كانت الظروف قاسية والتحديات صعبة، من خلال ما يمثله ذلك من ضغط نفسي ومادي على الإنسان، وبذلك كان الإصرار على الموقف مظهراً من مظاهر الإسلام الشامل لكل أجواء الحياة.
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :
إِنّ مقولة نوح هذه درس آخر للقادة الإِلهيين بأن لا يتوقعوا أي جزاء مادي ومعنوي من الناس لقاء دعوتهم وتبليغهم، لأنّ هذا التوقع يوجد نوعاً من التعلق النفسي الذي يؤدي الى عرقلة أساليب الدعوة الصريحة والنشاطات الحرة، ومن الطبيعي عن ذلك أن يقلّ تأثير دعوتهم وإِبلاغهم...