تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{ٱللَّهِ ٱلَّذِي لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَوَيۡلٞ لِّلۡكَٰفِرِينَ مِنۡ عَذَابٖ شَدِيدٍ} (2)

إن العزيزَ الحميد هو الله ، مالكُ ما في السموات وما في الأرض ، الغنيُّ عن الناس ، والمسيطر على الكون وما فيه ، والويل والعذاب للكافرين يوم القيامة لأنهم لم يستجيبوا لدعوة الرسول الكريم .

ثم وصف الله أولئك الكافرين بصفات ثلاث .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{ٱللَّهِ ٱلَّذِي لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَوَيۡلٞ لِّلۡكَٰفِرِينَ مِنۡ عَذَابٖ شَدِيدٍ} (2)

وقوله تعالى : { اللَّهِ } بالرفع على ما قرأ نافع . وابن عمر خبر مبتدأ محذوف أي هو الله والموصول الآتي صفته ، وبالجر على قراءة باقي السبعة . والأصمعي عن نافع بدل مما قبله في قول ابن عطية : والحوفي . وأبي البقاء ، وعطف بيان في قول الزمخشري قال : لأنه أجرى مجرى الأسماء الأعلام لغلبته واختصاصه بالمعبود بحق كما غلب النجم على الثريا ، ولعل جعله جارياً مجرى ذلك ليس لاشتراطه في عطف البيان بل لأن عطف البيان شرطه إفادة زيادة إيضاح لمتبوعه وهي هنا بكونه كالعلم باختصاصه بالمعبود بحق وقد خرج عن الوصفية بذلك فليس صفة كالعزيز الحميد .

ثم أنه لا يخفى عليك أنه عند الأئمة المحققين علم لا أنه كالعلم ، وعن ابن عصفور أنه لا تقدم صفة على موصوف إلا حيث سمع وذلك قليل ، وللعرب فيما وجد من ذلك وجهان : أحدهما : أن تقدم الصفة وتبقيها على ما كانت عليه ، وفي إعراب مثل هذا وجهان : أحدهما : إعرابه نعتاً مقدماً . والثاني : أن يجعل ما بعد الصفة بدلاً ، والوجه الثاني : أن تضيف الصفة إلى الموصوف اه ، وعلى هذا يجوز أن يكون { العزيز الحميد } [ ابراهيم : 1 ] صفتين متقدمتين ويعرب الاسم الجليل موصوفاً متأخراً ، ومما جاء فيه تقديم ما لو أخر لكان صفة وتأخير ما لو قدم لكان موصوفاً قوله :

والمؤمن العائذات الطير يمسحها . . . ركبان مكة بين الغيل والسعد

فلو جاء على الكثير لكان التركيب والمؤمن الطير العائذات ، ومثله قوله :

لو كنت ذا نبل وذا تشديب . . . لم أخش شدات الخبيث الذيب

وجوز في قراءة الرفع كون الاسم الجليل مبتدأ وقوله تعالى : { الذى لَهُ } أي ملكاً وملكاً { مَا فِي السموات وَمَا فِي الارض } خبره وما تقدم أولى ، فإن في الوصفية من بيان كمال فخامة شأن الصراط وإظهار تحتم سلوكه على الناس ما ليس في الخبرية ، والمراد بما في السموات وما في الأرض ما وجد داخلاً فيهما أو خارجاً عنهما متمكناً فيهما ، ومن الناس من استدل بعموم { مَا } على أن أفعال العباد مخلوقة له تعالى كما ذكره الإمام ، وقوله تعالى : { وَوَيْلٌ للكافرين } وعيد لمن كفر بالكتاب ولم يخرج به من الظلمات إلى النور بالويل .

وهو عند بعض نقيض الوأل بالهمز بمعنى النجاة فمعناه الهلاك فهو مصدر إلا أنه لا يشتق منه فعل إنما يقال : ويلا له فينصب نصب المصادر ثم يرفع رفعها لإفادة معنى الثبات فيقال : ويل له كسلام عليك ، وقال الراغب : قال الأصمعي ويل قبوح وقد يستعمل للتحسر ، وويس استصغتر ، وويح ترحم ، ومن قال : هو واد في جهنم لم يرد أنه في اللغة موضوع لذلك وإنما أراد أن من قال الله تعالى فيه ذلك فقد استحق مقراً من النار وثبت له ذلك ، وقوله سبحانه : { مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ } في موضع الصفة لويل ولا يضر الفصل على ما في «البحر » وغيره بالخبر ، وجوز أن يكون في موضع الحال على ما في الحواشي الهشابية و { مِنْ } بيانية ، وجوز أن تكون ابتدائية على معنى أن الويل بمعنى عدم النجاة متصل بالعذاب الشديد وناشيء عنه ، وقيل إن الجار متعلق : بويل على معنى أنهم يولولون من العذاب ويضجون منه قائلين يا ويلاه كقوله تعالى :

{ دَعَوْاْ هُنَالِكَ *ثُبُوراً } [ الفرقان : 13 ] ومنع أبو حيان وأبو البقاء ذلك لما فيه من الفصل بين المصدر ومعموله بالخبر وهو لا يجوز ، وقد مر قريباً في الرعد ما يتعلق بذلك فتذكر فما في العهد من قدم . وفي «الكشاف » أن { مِنْ عَذَابِ } الخ متصل بالويل على معنى أنهم يولولون إلى آخر ما ذكرنا ، وهو محتمل لتعلقه به ولتعلقه بمحذوف ، واستظهر هذا في «البحر » . وفي «الكشف » أن الزمخشري لما رأى أن الويل من الذنوب لا من العذاب كما يرشد إليه قوله تعالى : { فَوَيْلٌ لَّهُمْ مّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ } [ البقرة : 79 ] وأمثاله أشار هنا إلى أن الاتصال معنوي لا من ذلك الوجه فإنه هناك جعل الويل نفس العذاب وهنا جعله تلفظهم بكلمة التلهف من شدة العذاب وكلاهما صحيح ، ولم يرد أن هنالك فصلاً بالخبر لقرب ما مر في قوله تعالى : { سلام عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ } [ الرعد : 24 ] اه .

واعترض عليه بأنه لا حاجة لما ذكر من التكلف لأن اتصاله به ظاهر لا يحتاج إلى صرفه للتلفظ بتلك الكلمة ، و { مِنْ } بيانية لا إبتدائية حتى يحتاج إلى ما ذكر ، ولا يخفى قوة ذلك وأنه لا يحتاج إلى التكلف ولو جعلت { مِنْ } ابتدائية فتأمل ، والظاهر أن المراد بالعذاب الشديد عذاب الآخرة ، وجوز أن يكون المراد عذاباً يقع بهم في الدنيا .

( ومن باب الإشارة ) :{ وَوَيْلٌ للكافرين } المحجوبين { مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ } [ إبراهيم : 2 ] وهو عذاب الحرمان

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{ٱللَّهِ ٱلَّذِي لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَوَيۡلٞ لِّلۡكَٰفِرِينَ مِنۡ عَذَابٖ شَدِيدٍ} (2)

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

... معنى قوله:"اللّهُ الّذِي لَهُ ما فِي السّمَوَاتِ وَما فِي الأرْضِ": الله الذي يملك جميع ما في السموات وما في الأرض، يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: أنزلنا إليك هذا الكتاب لتدعو عبادي إلى عبادة من هذه صفته، ويدعوا عبادة من لا يملك لهم ولا لنفسه ضرّا ولا نفعا من الآلهة والأوثان. ثم توعد جلّ ثناؤه من كفر به ولم يستجب لدعاء رسوله إلى ما دعاه إليه من إخلاص التوحيد له، فقال: "وَوَيْلٌ للكافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ "يقول: الوادي الذي يسيل من صديد أهل جهنم لمن جحد وحدانيته وعبد معه غيره، من عذاب الله الشديد.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

... {وويل للكافرين من عذاب شديد} قال قائلون: الويل: الشدة، وقيل: الويل هو اسم واد في جهنم، وقال [أبو بكر] الأصم: الويل: هو نداء كل مكروب وملهوف من شدة البلاء، وقول الحسن كذلك...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{الله} عطف بيان للعزيز الحميد... ولما ذكر الخارجين من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان توعد الكافرين بالويل. فإن قلت: ما وجه اتصال قوله: {مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} بالويل؟ قلت: لأنّ المعنى أنهم يولولون من عذاب شديد، ويضجون منه، ويقولون: يا ويلاه، كقوله: {دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً} [الفرقان: 13]...

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

{الله الذي له ما في السموات وما في الأرض} أي المراد من ذلك العزيز الحميد هو الله الذي له ما في السموات وما في الأرض...

واعلم أن قوله تعالى: {له ما في السموات وما في الأرض} يفيد الحصر والمعنى أن ما في السموات وما في الأرض له لا لغيره، وذلك يدل على أنه لا مالك إلا الله ولا حاكم إلا الله...

{وويل للكافرين من عذاب شديد} المعنى: أنهم لما تركوا عبادة الله تعالى الذي هو المالك للسموات والأرض ولكل ما فيهما إلى عبادة ما لا يملك ضرا ولا نفعا ويُخلَق ولا يخلق، ولا إدراك له ولا فعل، فالويل ثم الويل لمن كان كذلك...

الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 671 هـ :

" الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض "أي ملكا وعبيدا واختراعا وخلقا.

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

{الله} أي المحيط علماً وقدرة {الذي له ما في السماوات} أي الأجسام العالية من الأراضي وغيرها. ولما كان في سياق الدلالة على الخالق وإثبات توحيده، أكد بإعادة الموصول مع صلته فقال: {وما في الأرض} أي فويل لمن أشرك به شيئاً منهما أو فيهما، فإنه لا أبين من أن ما كان مملوكاً لا يصلح لأن يكون شريكاً... {للكافرين} الذين ستروا أدلة عقولهم {من عذاب شديد} تتضاعف آلامه وقوته...

تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :

...لما بيَّن الدليل والبرهان توعد من لم ينقد لذلك، فقال: {وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} لا يقدر قدره، ولا يوصف أمره...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

... ثم يعقبها التعريف بالله سبحانه. إنه مالك ما في السماوات وما في الأرض، الغني عن الناس، المسيطر على الكون وما فيه ومن فيه:

(الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض)..

فمن خرج واهتدى فذاك. ولا يذكر عنه شيئا هنا، إنما يمضي السياق إلى تهديد الكافرين ينذرهم بالويل من عذاب شديد. جزاء كفرهم هذه النعمة. نعمة إرسال الرسول بالكتاب ليخرجهم من الظلمات إلى النور. وهي النعمة الكبرى التي لا يقوم لها شكر إنسان. فكيف بالكفران:

(وويل للكافرين من عذاب شديد)..

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

إجراء الوصف بالموصول على اسم الجلالة لزيادة التفخيم لا للتعريف، لأن ملك سائر الموجودات صفة عظيمة والله معروف بها عند المخاطبين. وفيه تعريض بأن صراط غير الله من طرق آلهتهم ليس بواصل إلى المقصود لنقصان ذويه. وفي ذكر هذه الصلة إدماجُ تعريض بالمشركين الذين عبدوا ما ليس له السماوات والأرض. {وويل للكافرين من عذاب شديد} لمّا أفاد قوله: {إلى صراط العزيز الحميد الله الذي له ما في السموات وما في الأرض} تعريضاً بالمشركين الذين اتبعوا صراط غير الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض عطف الكلام إلى تهديدهم وإنذارهم بقوله: {وويل للكافرين من عذاب شديد}، أي للمشركين به آلهة أخرى. وجملة {وويل للكافرين} إنشاء دعاء عليهم في مقام الغضب والذم...

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

صدر سبحانه الجملة التي فيها كمال سلطان الله تعالى في الوجود بلفظ الجلالة، لتربية المهابة في نفس القارئ؛ ولأن ذلك يتلاقى مع سلطان الله الكامل، و {له ما في السموات وما في الأرض} للدلالة على ملكيته لكل ما في السموات، وتكرار {ما في} لدلالة على كمال استغراق الملكية له سبحانه وتعالى، وهو على كل شيء قدير، مالك كل شيء، وذكر سبحانه ملكيته لما في السماء والأرض وذلك يقتضي ملكيته لهما؛ لأن ملكية ما يشتملان عليه يقتضي – لا محالة -ملكيتهما، إذ ملكية المظروف تقتضي ملكية الظرف، وإن الملكية الكاملة لهذا الوجود كله بما فيه من أجرام، وأحياء عاقلة وغير عاقلة يتضمن أنه يملك الأنداد، وأنها وعبادها في قبضته سبحانه العليم بكل شيء، وفي ذلك برهان قاطع أنها غير جديرة بالعبادة؛ ولذا قال سبحانه وتعالى بعد ذكر سلطان الله تعالى في الوجود كله، وأنه لا سلطان لغيره ذكر بعض مقتضياته، وهو كفر من يعبد الأوثان، واستحقاقه للعذاب؛ ولذا قال تعالى: {وويل للكافرين من عذاب شديد}...

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

{الذي له ما في السماوات والأرض} لا يقع في هذا المُلك إلا ما شاء هو، فمن آمن به أنصف نفسه وحياته وآخرته، أما من لم يؤمن به فله المقابل، وهو قوله الحق: {وويل للكافرين من عذاب شديد} وهذا الوَيْل ليس في الآخرة فقط، بل في الدنيا أيضا، لأن الإنسان حين تعترضه الصِّعاب والعقبات والمصائب التي ليس له أسباب يدفعها بها، هنا يستطيع المؤمن أن يذكر أن له ربا فوق الأسباب، ويرتاح إلى معونة الحق سبحانه له، وهكذا يشعر أن له رصيدا في الدنيا يعتمد عليه في مواجهة الأحداث الجِسَام. أما غير المؤمن فليس أمامه سوى اليأس؛ ولذلك نجد انتشار الانتحار بين غير المؤمنين؛ لأن هناك أحداثا فوق أسبابهم، ولا يستطيعون دفعها، وليس لهم إيمان برب يرجعون إليه...

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

{اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} فإذا كان يملك ذلك كله، فلا بد من أن يملك التصرف في تنظيم حياة الإنسان على الأرض، لتنسجم مع الخطة التي أراد للأرض أن تتحرك من خلالها، وللإنسان أن ينطلق منها في حياته الفكرية والعملية، كي يعيش العبودية المطلقة أمام الربوبية المطلقة، في خط الإيمان والطاعة والالتزام، فذلك ما يضمن للإنسان أمنه من العذاب، أمّا من يتمرد على الله، ويخرج من خط العبودية، فلا مجال للأمن لديه، {وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} في ما يعنيه الويل من حالة الإحباط والسقوط والاستغاثة في مواقف الضعف...