{ قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا } ولو كان التقرير بالفعل لكان الجواب فعلت أو لم أفعل . واعترض ذلك الخطيب بأنه يجوز أن يكون الاستفهام على أصله إذ ليس في السياق ما يدل على أنهم كانوا عالمين بأنه عليه السلام هو الذي كسر الأصنام حتى يمتنع حمله على حقيقة الاستفهام . وأجيب عليه بأنه يدل عليه ما قبل الآية وهو أنه عليه السلام قد حلف بقوله { تالله لأكِيدَنَّ أصنامكم } [ الأنبياء : 57 ] الخ ثم لما رأوا كسر الأصنام قالوا { مَن فَعَلَ هذا } الخ فالظاهر أنهم قد علموا ذلك من حلفه وذمه الأصنام . ولقائل أن يقول : إن الحلف كما قاله كثير كان سراً أو سمعه رجل واحد ، وقوله سبحانه : { قَالُواْ سَمِعْنَا } [ الأنبياء : 60 ] الخ مع قوله تعالى : { قَالُواْ مَن فَعَلَ هذا } [ الأنبياء : 59 ] الخ يدل على أن منهم من لا يعلم كونه عليه السلام هو الذي كسر الأصنام فلا يبعد أن يكون { أأنت فَعَلْتَ هذا } [ الأنبياء : 62 ] كلام ذلك البعض . وقد يقال : إنهم بعد المفاوضة في أمر الأصنام وإخبار البعض البعض بما يقنعه بأنه عليه السلام هو الذي كسرها تيقنوا كلهم أنه الكاسر فاأنت فعلت ممن صدر للتقرير بالفاعل . وقد سلك عليه السلام في الجواب مسلكاً تعريضياً يؤدي به إلى مقصده الذي هو إلزامهم الحجة على ألطف وجه وأحسنه يحملهم على التأمل في شأن آلهتهم مع ما فيه من التوقي من الكذب فقد أبرز الكبير قولاً في معرض المباشر للفعل بإسناده إليه كما أبرزه في ذلك المعرض فعلاً بجعل الفاس في عنقه أو في يده وقد قصد إسناده إليه بطريق التسبب حيث رأى تعظيمهم إياه أشد من تعظيمهم لسائر ما معه من الأصنام المصطفة المرتبة للعبادة من دون الله تعالى فغضب لذلك زيادة الغضب فأسند الفعل إليه إسناداً مجازياً عقلياً باعتبار أنه الحامل عليه والأصل فعلته لزيادة غضبي من زيادة تعظيم هذا ، وإنما لم يكسره وإن كان مقتضى غضبه ذلك لتظهر الحجة ، وتسمية ذلك كذباً كما ورد في الحديث الصحيح من باب المجاز لما أن المعاريض تشبه صورتها صورته فبطل الاحتجاج بما ذكر على عدم عصمة الأنبياء عليهم السلام ، وقيل في توجيه ذلك أيضاً : إنه حكاية لما يلزم من مذهبهم جوازه يعني أنهم لما ذهبوا إلى أنه أعظم الآلهة فعظم ألوهيته يقتضي أن لا يعبد غيره معه ويقتضي إفناء من شاركه في ذلك فكأنه قيل فعله هذا الكبير على مقتضى مذهبكم والقضية ممكنة .
ويحكى أنه عليه السلام قال : فعله كبيرهم هذا غضب أن يعبد معه هذه وهو أكبر منها ، قيل : فيكون حينئذٍ تمثيلاً أراد به عليه السلام تنبيههم على غضب الله تعالى عليهم لإشراكهم بعبادته الأصنام ، وقيل إنه عليه السلام لم يقصد بذلك إلا إثبات الفعل لنفسه على الوجه الأبلغ مضمناً فيه الاستهزاء والتضليل كما إذا قال لك أمي فيما كتبته بخط رشيق وأنت شهير بحسن الخط : أأنت كتبت هذا ؟ فقلت له : بل كتبته أنت فإنك لم تقصد نفيه عن نفسك وإثباته للأمي وإنما قصدت إثباته وتقريره لنفسك مع الاستهزاء بمخاطبك .
وتعقبه صاحب الفرائد بأنه إنما يصح إذا كان الفعل دائراً بينه عليه السلام وبين كبيرهم ولا يحتمل ثالثاً .
ورد بأنه ليس بشيء لأن السؤال في { أأنت فَعَلْتَ هذا } [ الأنبياء : 62 ] تقرير لا استفهام كما سمعت عن العلامة وصرح به الشيخ عبد القاهر والإمام السكاكي فاحتمال الثالث مندفع ، ولو سلم أن الاستفهام على ظاهره فقرينة الإسناد في الجواب إلى ما لا يصلح له بكلمة الإضراب كافية لأن معناه أن السؤال لا وجه له وأنه لا يصلح لهذا الفعل غيري ، نعم يرد أن توجيههم بذلك نحو التأمل في حال آلهتهم وإلزامهم الحجة كما ينبئ عنه قوله تعالى : { فاسألوهم إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ } أي إن كانوا ممن يمكن أن ينطقوا غير ظاهر على هذا ، وقيل إن { فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ } جواب قوله : { إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ } معنى وقوله : { فاسألوا } جملة معترضة مقترنة بالفاء كما في قوله
: فاعلم فعلم المرء ينفعه *** فيكون كون الكبير فاعلاً مشروطاً بكونهم ناطقين ومعلقاً به وهو محال فالمعلق به كذلك ، وإلى نحو ذلك أشار ابن قتيبة وهو خلاف الظاهر ، وقيل : إن الكلام تم عند قوله : { فَعَلَهُ } والضمير المستتر فيه يعود على { فَتًى } [ الأنبياء : 60 ] أو إلى إبراهيم ، ولا يخفى أن كلاً من فتى وإبراهيم مذكور في كلام لم يصدر بمحضر من إبراهيم عليه السلام حتى يعود عليه الضمير وأن الإضراب ليس في محله حينئذٍ والمناسب في الجواب نعم ، ولا مقتضى للعدول عن الظاهر هنا كما قيل وعزى إلى الكسائي أنه جعل الوقف على { فَعَلَهُ } أيضاً إلا أنه قال : الفاعل محذوف أي فعله من فعله .
/ وتعقبه أبو البقاء بأنه بعيد لأن حذف الفاعل لا يسوغ أي عند الجمهور وإلا فالكسائي يقول بجواز حذفه .
وقيل يجوز أن يقال : أنه أراد بالحذف الإضمار ، وأكثر القراء اليوم على الوقف على ذلك وليس بشيء ، وقيل الوقف على { كَبِيرُهُمْ } وأراد به عليه السلام نفسه لأن الإنسان أكبر من كل صنم ، وهذا التوجيه عندي ضرب من الهذيان ، ومثله أن يراد به الله عز وجل فإنه سبحانه كبير الآلهة ولا يلاحظ ما أرادوه بها ، ويعزى للفراء أن الفاء في { فَعَلَهُ } عاطفة وعله بمعنى لعله فخفف .
واستدل عليه بقراءة ابن السميقع { فَعَلَهُ } مشدد اللام ، ولا يخفى أن يجل كلام الله تعالى العزيز عن مثل هذا التخريج ، والآية عليه في غاية الغموض وما ذكر في معناها بعيد بمراحل عن لفظها ، وزعم بعضهم أن الآية على ظاهرها وادعى أن صدور الكذب من الأنبياء عليهم السلام لمصلحة جائز ، وفيه أن ذلك يوجب رفع الوثوق بالشرائع لاحتمال الكذب فيها لمصلحة فالحق أن لا كذب أصلاً وأن في المعاريض لمندوحة عن الكذب ، وإنما قال عليه السلام : { إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ } دون إن كانوا يسمعون أو يعقلون مع أن السؤال موقوف على السمع والعقل أيضاً لما أن نتيجة السؤال هو الجواب وإن عدم نطقهم أظهر وتبكيتهم بذلك أدخل ، وقد حصل ذلك حسبما نطق به قوله تعالى :
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{قال} إبراهيم: {بل فعله كبيرهم هذا} يعني: أعظم الأصنام الذي في يده الفأس، غضب حين سويتم بينه وبين الأصنام الصغار، فقطعها.
{فسئلوهم إن كانوا ينطقون} يقول: سلوا الأصنام المجذوذة من قطعها؟ إن قدروا على الكلام.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
[نص مكرر لاشتراكه مع الآية 62]
يقول تعالى ذكره: فأتوا بإبراهيم، فلما أتوا به قالوا له: أأنت فعلت هذا بآلهتنا من الكسر بها يا إبراهيم؟ فأجابهم إبراهيم: بل فعله كبيرهم هذا وعظيمهم، فاسألوا الآلهة من فعل بها ذلك وكسرها إن كانت تنطق أو تعبر عن نفسها...
عن قَتادة، قوله:"بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهِمْ هَذَا..." وهي هذه الخصلة التي كادهم بها.
وقد زعم بعض من لا يصدّق بالآثار ولا يقبل من الأخبار إلا ما استفاض به النقل من العوامّ، أن معنى قوله: "بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهِمْ هَذَا "إنما هو: بل فعله كبيرهم هذا إن كانوا ينطقون فاسألوهم، أي إن كانت الاَلهة المكسورة تنطق فإن كبيرهم هو الذي كسرهم. وهذا قول خلاف ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن إبراهيم لم يكذب إلا ثلاث كذبات كلها في الله، قوله: "بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهِمْ هَذَا"، وقوله: "إنّي سَقِيمٌ"، وقوله لسارة: هي أختي. وغير مستحيل أن يكون الله تعالى ذكْره أذِن لخليله في ذلك، ليقرّع قومه به، ويحتجّ به عليهم، ويعرّفهم موضع خطئهم، وسوء نظرهم لأنفسهم، كما قال مؤذّن يوسف لإخوته: أيّتُها العيرُ إنّكُمْ لَسارِقُونَ ولم يكونوا سرقوا شيئا.
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
فقال لهم إبراهيم عليه السلام {بل فعله كبيرهم} هذا على معنى الاحتجاج عليهم أي إنه غار من أن يعبد وتعبد الصغار معه ففعل هذا بها لذلك، وقالت فرقة هي الأكثر إن هذا الكلام قاله إبراهيم عليه السلام لأنها كذبة في ذات الله تؤدي إلى خزي قوم كافرين والحديث الصحيح يقتضي ذلك وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم، «لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات: قوله {إني سقيم} [الصافات: 89] وقوله {بل فعله كبيرهم هذا} وقوله للملك هي اختي» ثم تطرق إلى موضع خزيهم بقوله {فاسألوهم إن كانوا ينطقون} على جهة التوقيف. وذهبت فرقة إلى نفي الكذب عن هذه المقالات، وقالت فرقة معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم «لم يكذب إبراهيم» أي لم يقل كلاماً ظاهره الكذب أو يشبه الكذب وذهبت إلى تخريج هذه المقالات فخرجت هذه الآية على معنى أنه أراد تعليق فعل الكبير بنطق الآخرين كأنه قال بل هو الفاعل إن نطق هؤلاء ولم يخرج الخبر، على أن الكبير فعل ذلك، وفي الكلام تقديم على هذا التأويل في قوله {فاسألوهم}. وذهب الفراء إلى جهة أخرى بأن قال قوله {فعله} ليس من الفعل وإنما هو فلعله على جهة التوقع حذف اللام على قولهم عله بمعنى لعله ثم خففت اللام، وهذا تكلف.
أحكام القرآن لابن العربي 543 هـ :
{بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا}: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي ظَاهِرِ الْمَقْصُودِ بِهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هَذَا تَعْرِيضٌ، وَفِي التَّعَارِيضِ مَنْدُوحَةٌ عَنْ الْكَذِبِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ إنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ؛ فَشَرَطَ النُّطْقَ فِي الْفِعْلِ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ: لِأَنَّهُ عَدَّدَهُ عَلَى نَفْسِهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ التَّعْرِيضِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَهُمْ وَيَتَّخِذُونَهُمْ آلِهَةً دُونَ اللَّهِ، وَهُمْ كَمَا قَالَ إبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْك شَيْئًا؟ فَقَالَ إبْرَاهِيمُ: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا، لِيَقُولُوا إنَّهُمْ لَا يَنْطِقُونَ وَلَا يَفْعَلُونَ وَلَا يَنْفَعُونَ وَلَا يَضُرُّونَ؛ فَيَقُولُ لَهُمْ: فَلِمَ تَعْبُدُونَ؟ فَتَقُومُ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ مِنْهُمْ. وَلِهَذَا يَجُوزُ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ فَرْضُ الْبَاطِلِ مَعَ الْخَصْمِ حَتَّى يَرْجِعَ إلَى الْحَقِّ من ذَاتِ نَفْسِهِ، فَإِنَّهُ أَقْرَبُ فِي الْحُجَّةِ وَأَقْطَعُ لِلشُّبْهَةِ، كَمَا قَالَ لِقَوْمِهِ: هَذَا رَبِّي، عَلَى مَعْنَى الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، حَتَّى إذَا أَفَلَ مِنْهُمْ تَبَيَّنَ حُدُوثُهُ، وَاسْتِحَالَةُ كَوْنِهِ إلَهًا.
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
{قال} متهكماً بهم وملزماً بالحجة: {بل فعله كبيرهم} غيره من أن يعبد معه من هو دونه، وهذا على طريق إلزام الحجة؛ وتقييده بقوله: {هذا} إشارة إلى الذي تركه بغير كسر يدل على أنه كان فيهم كبير غيره. وكذا التنكير فيما مضى من قوله {إلا كبيراً لهم} وهذا -مع كونه تهكماً بهم وكناية عن أنهم لا عقل لهم لعبادتهم من يعلمون أنه لا يقدر على فعل ما- تنبيه على قباحة الشرك، وأنه لا يرضى به إله بل يهلك من عبد غيره وكل ما عبد من دونه إن كان قادراً، غيره على مقامه العظيم، ومنصبه الجسيم.
ولما أخبرهم بذلك، ولم يكن أحد رآه حتى يشهد على فعله، وكانوا قد أحلوهم بعبادتهم ووضع الطعام لهم محل من يعقل، سبب عنه أمرهم بسؤالهم فقال: {فاسألوهم} أي عن الفاعل ليخبروكم به {إن كانوا ينطقون} على زعمكم أنهم آلهة يضرون وينفعون، فإن قدروا على النطق أمكنت منهم القدرة وإلا فلا، أما سؤال الصحيح فواضح، وأما غيره فكما يسأل الناس من جرح أو قطعت يده أو رجله أو ضرب وسطه وبقيت فيه بقية من رمق، وإسناده الفعل ما لا يصح إسناده إليه وأمره بسؤاله بعد الإضراب عن فعله متضمن لأنه هو الفاعل.
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :
وأراد الأصنام المكسرة اسألوها لم كسرت؟ والصنم الذي لم يكسر، اسألوه لأي شيء كسرها، إن كان عندهم نطق، فسيجيبونكم إلى ذلك، وأنا وأنتم، وكل أحد يدري أنها لا تنطق ولا تتكلم، ولا تنفع ولا تضر، بل ولا تنصر نفسها ممن يريدها بأذى.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
فأما إبراهيم فهو يتهكم بهم ويسخر منهم، وهو فرد وحده وهم كثير. ذلك أنه ينظر بعقله المفتوح وقلبه الواصل فلا يملك إلا أن يهزأ بهم ويسخر، وأن يجيبهم إجابة تناسب هذا المستوى العقلي الدون: (قال: بل فعله كبيرهم هذا. فاسألوهم إن كانوا ينطقون).. والتهكم واضح في هذا الجواب الساخر. فلا داعي لتسمية هذه كذبة من إبراهيم -عليه السلام- والبحث عن تعليلها بشتى العلل التي اختلف عليها المفسرون. فالأمر أيسر من هذا بكثير! إنما أراد أن يقول لهم: إن هذه التماثيل لا تدري من حطمها إن كنت أنا أم هذا الصنم الكبير الذي لا يملك مثلها حراكا. فهي جماد لا إدراك له أصلا. وأنتم كذلك مثلها مسلوبو الإدراك لا تميزون بين الجائز والمستحيل. فلا تعرفون إن كنت أنا الذي حطمتها أم إن هذا التمثال هو الذي حطمها! (فاسألوهم إن كانوا ينطقون)!
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
قوله تعالى {بل} إبطال لأن يكون هو الفاعل لذلك، فنفى أن يكون فعَل ذلك، لأن (بل) تقتضي نفي ما دل على كلامهم من استفهامه. وقوله تعالى {فعله كبيرهم هذا} الخبر مستعمل في معنى التشكيك، أي لعله فعله كبيرهم إذ لم يقصد إبراهيم نسبة التحطيم إلى الصنم الأكبر لأنه لم يدع أنه شاهد ذلك، ولكنه جاء بكلام يفيد ظنه بذلك حيث لم يَبق صحيحاً من الأصنام إلا الكبير... أما الإخبار بقوله {فعله كبيرهم هذا} فليس كذباً وإن كان مخالفاً للواقع ولاعتقاد المتكلم؛ لأن الكلام والأخبار إنما تستقر بأواخرها وما يعقبها، كالكلام المعقب بشرط أو استثناء، فإنه لما قصد تنبيههم على خطأ عبادتهم للأصنام مهدّ لذلك كلاماً هو جار على الفرض والتقدير، فكأنه قال: لو كان هذا إلهاً لما رضي بالاعتداء على شركائه، فلما حصل الاعتداء عليهم بمحضر كبيرهم تعين أن يكون هو الفاعلَ لذلك، ثم ارتقى في الاستدلال بأن سلبَ الإلهية عن جميعهم بقوله {إن كانوا ينطقون} كما تقدم. فالمراد من الحديث أنها كذبات في بادئ الأمر، وأنها عند التأمل يظهر المقصود منها. وذلك أن النهي عن الكذب إنما علته خدع المخاطب وما يتسبب على الخبر المكذوب من جريان الأعمال على اعتبار الواقعُ بخلافه، فإذا كان الخبر يُعقب بالصدق لم يكن ذلك من الكذب، بل كان تعريضاً أو مزحاً أو نحوهما. وشمل ضمير {فاسألوهم} جميع الأصنام ما تحطم منها وما بقي قائماً. والقوم وإن علموا أن الأصنام لم تكن تتكلم من قبل إلا أن إبراهيم أراد أن يقنعهم بأن حدثاً عظيماً مثل هذا يوجب أن ينطقوا بتعيين من فعلَه بهم...
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
{فَاسألُوهُمْ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ} فهم الذين يجب أن يوجه إليهم السؤال، لأنهم هم الذين كانوا محلاً للاعتداء، وهم الأعرف بالمعتدي. فوجِّهوا إليهم السؤال إن كانوا يملكون منطقاً للجواب. إنه يريد أن يصدم عقيدتهم بالحقيقة الدامغة، ولكنهم لا يريدون أن يفكروا في نتائجها السلبية على العقيدة، ليقودهم إلى التفكير من جديد، وإلى القبول بإدارة الحوار حولها. وعلى ضوء هذا، فإن إبراهيم لم يكذب في كلامه باتهام الصنم الكبير، لأنه لم يقصد الحكاية عن الواقع، بل قصد التمهيد لإظهار الحقيقة للوصول إلى النتائج الإيجابية في خط الدعوة.
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :
فأجابهم إبراهيم جواباً أفحمهم، وجعلهم في حيرة لم يجدوا منها مخرجاً (قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون).
إنّ من أسس علم معرفة الجرائم أن يكون المتّهم بادية عليه آثار الجريمة، والملاحظ هنا أنّ آثار الجريمة كانت باديةً على يد الصنم الكبير، [وفقاً للرواية المعروفة: إنّ إبراهيم جعل الفأس على رقبة الصنم الكبير].
لماذا تأتون إليّ؟ ولماذا لا تتّهمون إلهكم الكبير؟ ألا تحتملون أنّه غضب على الآلهة الصغيرة، أو إنّه اعتبرهم منافسيه في المستقبل فعاقبهم؟
ولمّا كان ظاهر هذا التعبير لا يطابق الواقع في نظر المفسّرين، ولمّا كان إبراهيم نبيّاً معصوماً ولا يكذب أبداً، فقد ذكروا تفاسير مختلفة، وأفضلها كما يبدو هو:
إنّ إبراهيم (عليه السلام) قد نسب العمل إلى كبير الأصنام قطعاً، إلاّ أنّ كلّ القرائن تشهد أنّه لم يكن جادّاً في قصده، بل كان يريد أن يزعزع عقائد الوثنيين الخرافية الواهية، ويفنّدها أمامهم، ويُفهم هؤلاء أنّ هذه الأحجار والأخشاب التي لا حياة فيها ذليلة وعاجزة إلى الحدّ الذي لا تستطيع أن تتكلّم بجملة واحدة تستنجد بعبّادها، فكيف يريدون منها أن تحلّ معضلاتهم؟!
ونظير هذا التعبير كثير في محادثاتنا اليوميّة، فنحن إذا أردنا إبطال أقوال الطرف المقابل نضعِ أمامه مسلّماته على هيئة الأمر أو الإخبار أو الاستفهام، وهذا ليس كذباً أبداً، بل الكذب هو القول الذي لا يمتلك القرينة معه.
وفي رواية عن الإمام الصادق (عليه السلام) في كتاب الكافي: «إنّما قال: بل فعله كبيرهم، إرادة الإصلاح، ودلالة على أنّهم لا يفعلون» ثمّ قال: «والله ما فعلوه وما كذّب».
واحتمل جمع من المفسّرين أنّ إبراهيم قد أدّى هذا المطلب بشكل جملة شرطيّة وقال: إنّ الأصنام إذا كانت تتكلّم فإنّها قد فعلت هذا الفعل، ومن المسلّم أنّ هذا التعبير لم يكن خلاف الواقع، لأنّ الأصنام لم تكن تتكلّم، ولم تكن قد أقدمت على مثل هذا العمل، ولم يصدر منها، ووردت رواية في مضمون هذا التّفسير أيضاً.
إلاّ أنّ التّفسير الأوّل يبدو هو الأقرب، لأنّ الجملة الشرطيّة «إن كانوا ينطقون» جواب الطلب في «فاسألوهم»، وليست شرطاً لجملة «بل فعله كبيرهم». (فلاحظوا بدقّة).
واللطيفة الأخرى التي ينبغي الالتفات إليها هي: إنّ العبارة هي أنّه يجب أن يسأل من الأصنام المحطّمة الأيدي والأرجل عمّن فعل بها ذلك، لا من الصنم الكبير، لأنّ ضمير (هم)، وكذلك ضمائر «إن كانوا ينطقون» كلّها بصيغة الجمع، وهذا أنسب مع التّفسير الأوّل.
لقد هزّت كلمات إبراهيم الوثنيين وأيقظت ضمائرهم النائمة الغافلة، وأزاح الرماد عن شعلة النّار فأضاءها، وأنار فطرتهم التوحيديّة من خلف حجب التعصّب والجهل.