تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَكُمۡ هُزُوٗا وَلَعِبٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَٱلۡكُفَّارَ أَوۡلِيَآءَۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ} (57)

بعد أن نهى الله عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء من دونه ، وبيّن العلّة في ذلك بأن بعضهم أولياء بعض ، أعاد النهيَ هنا عن اتخاذ الكفار عامة أولياء ، وبيّن الوصفَ الذي لأجله كان النهيُ ، وهو إيذاؤهم للمؤمنين بجميع ضروب الإيذاء ، ومقاومتهم دينَهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا . فقال : يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا أعداء الإسلام الذين اتخذوا دينكم سخريةً ، وهم اليهود والنصارى والمشركون نصراءَ وأولياء أبدا .

خافوا أيها المؤمنون في موالاة هؤلاء إن كنتم صادقين في إيمانكم . قراءات :

قرأ أبو عمرو ونافع والكسائي { من قبلكم والكفار } بالجر ، والباقون «والكفار » بالنصب .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَكُمۡ هُزُوٗا وَلَعِبٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَٱلۡكُفَّارَ أَوۡلِيَآءَۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ} (57)

فيه مسألتان :

الأولى : روي عن ابن عباس رضي الله عنه أن قوما من اليهود والمشركين ضحكوا من المسلمين وقت سجودهم ، فأنزل الله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا إلى آخر الآيات . وتقدم معنى الهزء في " البقرة " {[5720]} . " من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء " قرأه أبو عمرو والكسائي بالخفض بمعنى ومن الكفار . قال الكسائي : وفي حرف أبي رحمه الله " ومن الكفار " ، و " من " ههنا لبيان الجنس ، والنصب أوضح{[5721]} وأبين . قاله النحاس . وقيل : هو معطوف على أقرب العاملين منه وهو قوله : " من الذين أوتوا الكتاب " فنهاهم الله أن يتخذوا اليهود والمشركين أولياء ، وأعلمهم أن الفريقين اتخذوا دين المؤمنين هزوا ولعبا . ومن نصب عطف على " الذين " الأول في قوله : " لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا - والكفار أولياء " أي لا تتخذوا هؤلاء وهؤلاء أولياء ، فالموصوف بالهزؤ واللعب في هذه القراءة اليهود لا غير . والمنهي عن اتخاذهم أولياء اليهود والمشركون ، وكلاهما في القراءة بالخفض موصوف بالهزؤ واللعب . قال مكي : ولولا اتفاق الجماعة على النصب لاخترت الخفض ، لقوته في الإعراب وفي المعنى والتفسير والقرب من المعطوف عليه . وقيل : المعنى لا تتخذوا المشركين والمنافقين أولياء ، بدليل قولهم : " إنما نحن مستهزئون{[5722]} " [ البقرة : 14 ] والمشركون كل كفار ، لكن يطلق في الغالب لفظ الكفار على المشركين ؛ فلهذا فصل ذكر أهل الكتاب من الكافرين .

الثانية : قال ابن خويز منداد : هذه الآية مثل قوله تعالى : " لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض " [ المائدة : 51 ] ، و " لا تتخذوا بطانة من دونكم{[5723]} " [ آل عمران : 118 ] تضمنت المنع من التأييد والانتصار بالمشركين ونحو ذلك . وروى جابر : أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد الخروج إلى أحد جاءه قوم من اليهود فقالوا : نسير معك ، فقال عليه الصلاة والسلام{[5724]} : ( إنا لا نستعين على أمرنا بالمشركين ) وهذا هو الصحيح من مذهب الشافعي . وأبو حنيفة جوز الانتصار بهم على المشركين للمسلمين ، وكتاب الله تعالى يدل على خلاف ما قالوه مع ما جاء من السنة ذلك . والله أعلم .


[5720]:راجع ج 1 ص 446.
[5721]:في ج: أفصح.
[5722]:راجع ج 1 ص 206.
[5723]:راجع ج 4 ص 178.
[5724]:من ج و ع.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَكُمۡ هُزُوٗا وَلَعِبٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَٱلۡكُفَّارَ أَوۡلِيَآءَۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ} (57)

قوله تعالى : { يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين ( 57 ) وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا ذلك بأنهم قوم لا يعقلون } جاء في سبب نزول الآية أن رفاعة بن زيد وسويد بن الحرث كانا قد أظهرا الإيمان ثم نافقا وكان رجال المسلمين يوادونهما فأنزل الله الآية { لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا } وفيها تنفير للمؤمنين من موالاة أهل الكتاب { والكفار } وهو منصوب على العطف على { الذين اتخذوا } والمقصود أن أهل الكتاب من يهود ونصارى وكذا المشركون كلهم كافرون يسخرون من تعاليم الإسلام . فلا ينبغي لمسلم بعد ذلك أن يواليهم . أي يحالفهم ويناصرهم ويلقي إليهم بالمودة .

ومن شأن الكافرين على اختلاف مللهم ومشاربهم أن يهزأوا إذ يهزأوا بالإسلام والمسلمين . فهم لا يبرحون السخرية والاستهزاء بالإسلام في معانيه وقيمه وشعائره وتعاليمه . فتارة بالغمز واللمز في كلام مبطن ملفوف . وتارة بالطعن والتجريح وإطلاق الشتائم . وتارة أخرى بإثارة الشبهات والافتراءات والأباطيل من حول الإسلام ليشوهوه تشويها ولينفروا من حوله المسلمين والناس جميعا . فهؤلاء الحاقدون الفارغون المتربصون الكفرة ما كان ينبغي للمسلمين إلا أن يستعلوا عليهم استعلاء ، وأن يبادروهم التصدي لهم فضلا عن مبارحتهم والتغيظ منهم والتقزز والاشمئزاز من موالاتهم والدنو منهم .

قوله : { واتقوا الله إن كنتم مؤمنين } أي خافوا الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه . ويدخل في ذلك موالاة الكافرين جميعا . ويتحقق ذلك بكونكم مؤمنين حقا ، لأن الإيمان الحق يفرض على المسلمين أن لا يوالوا الكافرين المستهزئين بل يجانبونهم ويستعلون عليهم .