تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوٓاْ أَوۡ مَاتُواْ لَيَرۡزُقَنَّهُمُ ٱللَّهُ رِزۡقًا حَسَنٗاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ خَيۡرُ ٱلرَّـٰزِقِينَ} (58)

مدخَلا يرضونه : الجنة .

بغى عليه : اعتدى عليه ، ظلم .

بعد أن ذكر اللهُ أن المُلك له يوم القيامة ، وأنه يحكم بين عباده المؤمنين والكافرين ، ذكَر هنا وعدَه الكريم للمهاجرين في سبيله بالجنَة ، ثم بين أنه ينصر الذين يُضْطَرّون إلى مفارقة أوطانهم في سبيله والذين يُعتدى عليهم وجميعَ المظلومين ، وذكر بعض آياته التي تتجلّى في صفحات الكون ونواميس الوجود .

{ والذين هَاجَرُواْ فِي سَبِيلِ الله ثُمَّ قتلوا أَوْ مَاتُواْ لَيَرْزُقَنَّهُمُ الله رِزْقاً حَسَناً وَإِنَّ الله لَهُوَ خَيْرُ الرازقين } : الذين تركوا أوطانهم وفارقوا أهلَهم وعشيرتهم حفاظاً على عقيدتهم وابتغاءَ رِضوان الله ثم قُتلوا في ميدان الجهاد أو ماتوا على فراشِهم ، لهم عند الله رزقٌ أكرمُ من كل ما تركوا في ديارهم . هذا وعدٌ من الله لهم بالعوض الكريم وهو خير الرازقين . قراءت :

قرأ ابن عامر : { ثم قتّلوا } بتشديد التاء ، والباقون : { ثم قتلوا } بالتخفيف .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوٓاْ أَوۡ مَاتُواْ لَيَرۡزُقَنَّهُمُ ٱللَّهُ رِزۡقًا حَسَنٗاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ خَيۡرُ ٱلرَّـٰزِقِينَ} (58)

أفرد ذكر المهاجرين الذين ماتوا وقتلوا تفضيلا لهم وتشريفا على سائر الموتى .

وسبب نزول هذه الآية أنه لما مات بالمدينة عثمان بن مظعون وأبو سلمة بن عبد الأسد قال بعض الناس : من قتل في سبيل الله أفضل ممن مات حتف أنفه ، فنزلت هذه الآية مسوية بينهم ، وأن الله يرزق جميعهم رزقا حسنا . وظاهر الشريعة يدل على أن المقتول أفضل . وقد قال بعض أهل العلم : إن المقتول في سبيل الله والميت في سبيل الله شهيد ، ولكن للمقتول مزية ما أصابه في ذات الله . وقال بعضهم : هما سواء ، واحتج بالآية ، وبقوله تعالى : " ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله " {[11579]} [ النساء : 100 ] ، وبحديث أم حرام ، فإنها صرعت عن دابتها فماتت ولم تقتل فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم : ( أنت من الأولين ) ، وبقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عبد الله بن عتيك : ( من خرج من بيته مهاجرا في سبيل الله فخر عن دابته فمات أو لدغته حية فمات أو مات حتف أنفه فقد وقع أجره على الله ومن مات قعصا{[11580]} فقد استوجب المآب ) . وذكر ابن المبارك عن فضالة بن عبيد في حديث ذكر فيه رجلين أحدهما أصيب في غزاة بمنجنيق فمات والآخر مات هناك ؛ فجلس فضالة عند الميت فقيل له : تركت الشهيد ولم تجلس عنده ؟ فقال : ما أبالي من أي حفرتيهما بعثت ، ثم تلا قوله تعالى : " والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا " الآية كلها . وقال سليمان بن عامر : كان فضالة برودس أميرا على الأرباع فخرج بجنازتي رجلين أحدهما قتيل والآخر متوفى ، فرأى ميل الناس مع جنازة القتيل إلى حفرته ، فقال : أراكم أيها الناس تميلون مع القتيل ! فوالذي نفسي بيده ما أبالي من أي حفرتيهما بعثت ، اقرؤوا قوله تعالى : " والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا " . كذا ذكره الثعلبي في تفسيره ، وهو معنى ما ذكره ابن المبارك . واحتج من قال : إن للمقتول زيادة فضل بما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سئل : أي الجهاد أفضل ؟ قال : ( من أهريق دمه وعقر جواده ) . وإذا كان من أهريق دمه وعقر جواده أفضل الشهداء علم أنه من لم يكن بتلك الصفة مفضول . قرأ ابن عامر وأهل الشام " قتلوا " بالتشديد على التكثير . الباقون بالتخفيف .


[11579]:راجع ج 5 ص 347 فما بعد.
[11580]:القعص: أن يضرب الإنسان فيموت مكانه. وأراد بوجوب المآب حسن المرجع بعد الموت.