تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{ٱلۡأَعۡرَابُ أَشَدُّ كُفۡرٗا وَنِفَاقٗا وَأَجۡدَرُ أَلَّا يَعۡلَمُواْ حُدُودَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ} (97)

الأعراب : سكان البادية من العرب .

كان يجاور المؤمنين السابقين المخلصين من المهاجرين والأنصار ، جماعاتٌ أخرى : الأعراب : وفيهم المخلِصون والمنافقون ؛ والمنافقون من أهل المدينة ، وقد كشفهم الله تعالى بهذه السورة المباركة ؛ وآخرون خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ولم ينصهِروا في بوتقة الإسلام تماما ؛ وطائفة مجهولة الحال لا تُعرف حقيقة مصيرها ، أمرُها متروك لله ؛ ومتآمرون يتستّرون باسم الإسلام ، ويدبّرون المكايدّ ويتَّصِلون بأعداء الإسلام في الخارج . والقرآن الكريم يتحدث عن هذه الجماعات كلِّها باختصار مفيد ، ويقرر كيف يجب أن تُعامل هذه الجماعات .

وهو يقسم الناسَ على أساس التقوى والإيمان الخالص بالله والعملِ الصالح ، فقد تحدّث عن أحوال العرب مؤمنيهم ومنافقيهم ، وبيّن في هذه الآية والآيتين اللاحقتين أحوالَ الأعراب مؤمنيهم ومنافقهم فقال :

{ الأعراب أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَآ أَنزَلَ الله على رَسُولِهِ والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ } .

الأعراب من أهل البادية أشدُّ كفرا ونفاقا من أمثالهم أهلِ الحضر ، لأنهم يقضون جُلَّ أعمارهم في البادية يخدمون مواشيَهم وأنعامهم ، بعيدين عن أهل العلم والحكمة . وهم حقيقون أن يجهَلوا حدودَ الله ، وما أنزلَ على رسوله من شرائع وأحكام ، واللهُ عليم حكيم ، واسعُ العلم بشؤون عباده وأحوالهم ، حكيم فيما يقدِّره من جزاء ومن نعيم .

وقد وردت أحاديث كثيرة تشير إلى جَفاء الأعراب ، وغِلْظَتِهم ، وبُعدهم عن الآداب والمعرفة . قال ابن كثير في تفسيره : ( جلس أعرابي إلى زيد ابن صوحان ، أحدِ التابعين العلماء الشجعان ، وقد شهِد الفتوحَ وقُطعت يده في نَهاوَنْد ، فقال له الأعرابي : واللهِ إن حديثك لَيُعجبني ، وإن يَدك لتُريبني . فقال زيد : وما يريبك من يدي ، إنها الشّمال ! فقال الأعرابي : واللهِ ما أدري اليمينَ يقطعون أو الشمال ؟ فقال زيد بن صوحان : صدق الله ورسوله : { الأعراب أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَا أَنزَلَ الله على رَسُولِهِ } .

وعن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من سكنَ الأبديةَ جفا ) . وهناك روايات كثيرة تكشف عن طابَع الجفوة والفظاظة في نفوس الأعراب حتى بعد الإسلام .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{ٱلۡأَعۡرَابُ أَشَدُّ كُفۡرٗا وَنِفَاقٗا وَأَجۡدَرُ أَلَّا يَعۡلَمُواْ حُدُودَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ} (97)

فيه مسألتان :

الأولى - لما ذكر جل وعز أحوال المنافقين بالمدينة ذكر من كان خارجا منها ونائيا من الأعراب ، فقال كفرهم أشد . قال قتادة : لأنهم أبعد عن معرفة السنن . وقيل : لأنهم أقسى قلبا وأجفى قولا وأغلظ طبعا وأبعد عن سماع التنزيل ؛ ولذلك قال الله تعالى في حقهم : " وأجدر " أي أخلق . " ألا يعلموا " " أن " في موضع نصب بحذف الباء ، تقول : أنت جدير بأن تفعل وأن تفعل ؛ فإذا حذفت الباء لم يصلح إلا ب " أن " وإن أتيت بالباء صلح ب " أن " وغيره ، تقول : أنت جدير أن تقوم ، وجدير بالقيام . ولو قلت : أنت جدير القيام كان خطأ . وإنما صلح مع " أن " لأن أن يدل على الاستقبال فكأنها عوض من المحذوف . " حدود ما أنزل الله " أي فرائض الشرع . وقيل : حجج الله في الربوبية وبعثة الرسل لقلة نظرهم .

الثانية - ولما كان ذلك ودل على نقصهم وحطهم عن المرتبة الكاملة عن سواهم ترتبت على ذلك أحكام ثلاثة :

أولها : لا حق لهم في الفيء والغنيمة ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم من حديث بريدة ، وفيه : ( ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين فإن أبوا أن يتحولوا عنها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين ) .

وثانيها : إسقاط شهادة أهل البادية عن الحاضرة ؛ لما في ذلك من تحقق التهمة . وأجازها أبو حنيفة قال : لأنها لا تراعي كل تهمة ، والمسلمون كلهم عنده على العدالة . وأجازها الشافعي إذا كان عدلا مرضيا ؛ وهو الصحيح لما بيناه في " البقرة{[8214]} " . وقد وصف الله تعالى الأعراب هنا أوصافا ثلاثة : أحدها : بالكفر والنفاق . والثاني : بأنه يتخذ ما ينفق مغرما ويتربص بكم الدوائر . والثالث : بالإيمان بالله وباليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول ، فمن كانت هذه صفته فبعيد ألا تقبل شهادته فيلحق بالثاني والأول ، وذلك باطل . وقد مضى الكلام في هذا في " النساء{[8215]} " . وثالثها : أن إمامتهم بأهل الحاضرة ممنوعة لجهلهم بالسنة وتركهم الجمعة . وكره أبو مجلز إمامة الأعرابي . وقال مالك : لا يؤم وإن كان أقرأهم . وقال سفيان الثوري والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي : الصلاة خلف الأعرابي جائزة . واختاره ابن المنذر إذا أقام حدود الصلاة .

قوله تعالى : " أشد " أصله أشدد ، وقد تقدم . " كفرا " نصب على البيان . " ونفاقا " عطف عليه . " وأجدر " عطف على أشد ، ومعناه أخلق ، يقال : فلان جدير بكذا أي خليق به ، وأنت جدير أن تفعل كذا ، والجمع جدراء وجديرون . وأصله من جدر الحائط وهو رفعه بالبناء . فقوله : هو أجدر بكذا أي أقرب إليه وأحق به . " ألا يعلموا " أي بألا يعلموا . والعرب : جيل من الناس ، والنسبة إليهم عربي بين العروبة ، وهم أهل الأمصار . والأعراب منهم سكان البادية خاصة . وجاء في الشعر الفصيح أعاريب . والنسبة إلى الأعراب أعرابي لأنه لا واحد له ، وليس الأعراب جمعا للعرب كما كان الأنباط جمعا لنبط ، وإنما العرب اسم جنس . والعرب العاربة هم الخلص منهم ، وأخذ من لفظه وأكد به ، كقولك : ليل لائل . وربما قالوا : العرب العرباء . وتعرب أي تشبه بالعرب . وتعرب بعد هجرته أي صار أعرابيا . والعرب المستعربة هم الذين ليسوا بخلص ، وكذلك المتعربة ، والعربية هي هذه اللغة . ويعرب بن قحطان أول من تكلم بالعربية ، وهو أبو اليمن كلهم . والعُرب والعَرب واحد ، مثل العجم والعجم . والعريب تصغير العرب ؛ قال الشاعر :

ومَكْن الضِّبابِ طعام العريب*** ولا تشتهيه نفوس العجم{[8216]}

إنما صغرهم تعظيما ، كما قال : أنا جذيلها المُحَكَّك ، وعُذَيْقُهَا المُرَجَّب{[8217]} كله عن الجوهري . وحكى القشيري وجمع العربي العرب ، وجمع الأعرابي أعراب وأعاريب . والأعرابي إذا قيل له يا عربي فرح ، والعربي إذا قيل له يا أعرابي غضب . والمهاجرون والأنصار عرب لا أعراب . وسميت العرب عربا ؛ لأن ولد إسماعيل نشؤوا من عربة وهي من تهامة فنسبوا إليها . وأقامت قريش بعربة وهي مكة ، وانتشر سائر العرب في جزيرتها .


[8214]:راجع ج 3 ص 396.
[8215]:راجع ج 5 ص 410 فما بعد.
[8216]:البيت لعبد المؤمن بن عبد القدوس. والمكن: بيض والجرادة ونحوها.
[8217]:الجذيل تصغير الجذل، وهو أصل الشجرة. والمحكك: الذي تتحكك به الإبل الجربي، وهو عود ينصب في مبارك الإبل لذلك والعذيق: تصغير العذق، وهو النخلة. والمرجب: الذي جعل له رجبة، وهي دعامة تبنى حولها من الحجارة. وهو من قول الحباب بن المنذر بن الجموح الأنصاري يوم السقيفة عند بيعة أبي بكر رضي الله عنه يريد أنه قد جربته الأمور، وله رأي وعلم يشتفي بهما كما تشفى الإبل الجربي باحتكاكها بالجذل.