إن في تعاقب الليل والنهار واختلافهما بالزيادة والنقصان ، وفي خلق السماوات والأرض وما فيها من الكائنات ، لدلائلَ عظيمةً وبراهينَ بيّنة على وجود الصانع ، وألوهيته ، وقدرته لقومٍ يتّقون مخالفةَ سُننه تعالى .
وتشير هذه الآية إلى حقيقة مشاهَدة ، وهي اختلاف طول الليل والنهار على مدار العام في أي مكان على الأرض ، وكذلك تعاقُب النهار والليل وكون النهار مبصراً ، والليل مظلما . وتفسير ذلك أساسه دورانُ الأرض حول محورها وحول الشمس . وكل هذه دلائلُ على قدرة الخالق المبدِع ، والعلمُ بها لم يكن البتّةَ في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، فهذا دليل على أنه وحيٌ من الله إليه .
{ 5 - 6 } { هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ } .
لما قرر ربوبيته وإلهيته ، ذكر الأدلة العقلية الأفقية الدالة على ذلك وعلى كماله ، في أسمائه وصفاته ، من الشمس والقمر ، والسماوات والأرض وجميع ما خلق فيهما من سائر أصناف المخلوقات ، وأخبر أنها آيات { لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } و { لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ } .
فإن العلم يهدي إلى معرفة الدلالة فيها ، وكيفية استنباط الدليل{[390]} على أقرب وجه ، والتقوى تحدث في القلب الرغبة في الخير ، والرهبة من الشر ، الناشئين عن الأدلة والبراهين ، وعن العلم واليقين .
وحاصل ذلك أن مجرد خلق هذه المخلوقات بهذه الصفة ، دال على كمال قدرة الله تعالى ، وعلمه ، وحياته ، وقيوميته ، وما فيها من الأحكام والإتقان والإبداع والحسن ، دال على كمال حكمة الله ، وحسن خلقه وسعة علمه . وما فيها من أنواع المنافع والمصالح -كجعل الشمس ضياء ، والقمر نورا ، يحصل بهما من النفع الضروري وغيره ما يحصل- يدل ذلك على رحمة الله تعالى واعتنائه بعباده وسعة بره وإحسانه ، وما فيها من التخصيصات دال على مشيئة الله وإرادته النافذة .
وذلك دال على أنه وحده المعبود والمحبوب المحمود ، ذو الجلال والإكرام والأوصاف العظام ، الذي لا تنبغي الرغبة والرهبة إلا إليه ، ولا يصرف خالص الدعاء إلا له ، لا لغيره من المخلوقات المربوبات ، المفتقرات إلى الله في جميع شئونها .
وفي هذه الآيات الحث والترغيب على التفكر في مخلوقات الله ، والنظر فيها بعين الاعتبار ، فإن بذلك تنفتح البصيرة ، ويزداد الإيمان والعقل ، وتقوى القريحة ، وفي إهمال ذلك ، تهاون بما أمر الله به ، وإغلاق لزيادة الإيمان ، وجمود للذهن والقريحة .
قوله : { إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السموات والأرض لآيات لقوم يتقون } اختلاف الليل والنهار يعني تعاقبهما . فإذا جاء هذا ذهب هذا ، وإذا ذهب هذا جاء هذا من غير تأخير في ذلك ولا تخلف { وما خلق الله في السموات والأرض } فقد خلق الله فيهما أجراما وخلائق وأشياء كثيرة لا يمكن استقصاؤها أو عدها ؛ فخي كثيرة بالغة الكثرة كأعداد النجوم والكواكب وغير ذلك من مختلف العناصر والأجرام الكونية المبثوثة في هذا الوجود ، فضلا عن عجائب كونية أخرى تدير الرأس وتستثير الذهن وتسيطر الجنان والوجدان . وذلك كظواهر الرعد والبرق والسحاب والأمطار والثلوج والرياح والصواعق والزلازل وغير ذلك من ظواهر مكشوفة ، أو تتكشف على مر الزمن . لا جرم أن ذلك الدلائل الساطعة على ربوبية الله ووحدانيته وأنه جل وعلا خالق الأشياء كلها ليس له في ذلك شريك ولا نديد . وهذه حقيقة يستيقنها الذين يتقون الله فيخافون بطشه عذابه ويحذرون سخطه وعقابه ، ليتدبروا ويتعظوا ويبادروا بفعل الخيرات واجتناب المناهي{[1942]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.