إن منهج القرآن في كثير من آياته أن يأتي بصور متقابلة ، وهنا يأتي بصورتَين لفئتين من الناس متقابلين : فئة «الّذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله » بعد أن صدّقوا بالحق فهم يقاتلون لإعلاء كلمته ، وفئة «الذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت » لأنهم جحدوا وعاندوا فهم يقاتلون تمكيناً لبقاء الظلم والفساد ، وبذلك كانوا أولياء الطاغوت وأولياء الشيطان .
فيا أيها المؤمنون : قاتِلوا أعوان الشيطان وأنصاره ، واعلموا أنكم منتصرون عليهم بتأييد الله ، لأن كيد الشيطان ومكره ضعيف سخيف ، أما الغلبة والنصر فهي للحق بإذن الله .
ثم قال : { الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا }
هذا إخبار من الله بأن المؤمنين يقاتلون في سبيله { وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ } الذي هو الشيطان . في ضمن ذلك عدة فوائد :
منها : أنه بحسب إيمان العبد يكون جهاده في سبيل الله ، وإخلاصه ومتابعته . فالجهاد في سبيل الله من آثار الإيمان ومقتضياته ولوازمه ، كما أن القتال في سبيل الطاغوت من شعب الكفر ومقتضياته .
ومنها : أن الذي يقاتل في سبيل الله ينبغي له ويحسن منه من الصبر والجلد ما لا يقوم به غيره ، فإذا كان أولياء الشيطان يصبرون ويقاتلون وهم على باطل ، فأهل الحق أولى بذلك ، كما قال تعالى في هذا المعنى : { إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ } الآية .
ومنها : أن الذي يقاتل في سبيل الله معتمد على ركن وثيق ، وهو الحق ، والتوكل على الله . فصاحب القوة والركن الوثيق يطلب منه من الصبر والثبات والنشاط ما لا يطلب ممن يقاتل عن الباطل ، الذي لا حقيقة له ولا عاقبة حميدة . فلهذا قال تعالى : { فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا }
والكيد : سلوك الطرق الخفية في ضرر العدو ، فالشيطان وإن بلغ مَكْرُهُ مهما بلغ فإنه في غاية الضعف ، الذي لا يقوم لأدنى شيء من الحق ولا لكيد الله لعباده المؤمنين .
قوله : ( الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا ) .
يحدد الله في هذه الآية سبيلين اثنين متقابلين يفضي أحدهما إلى الشر والباطل بينما يفضي الآخر إلى الخير والحق . وذلك تحديد من الله للمسلمين من أجل أن تتضح أمامهم الرؤية فيمضوا على الطريق في وضوح وهداية من غير تعثر أو خبط . والخط الفاصل الذي يفرق بين المسلمين والمشركين ، أن المسلمين يقاتلون في سبيل الله فهم بذلك على الحق في كفاحهم ومسعاهم وهم يسيرون على طريق السلامة والإسلام في ثقة ويقين وتثبّت إلى أن يكتب الله لهم النصر أو أن يبتليهم لحكمة يعلمها هو . أما المشركون فإنهم على الباطل والضلالة من أول يوم فهم إنما يقاتلون من أجل الطاغوت وهو الشيطان مصدر الإطغاء والغواية .
إن المشركين لا يحاربون إلا لمقاصد غاية في الفساد والتنكب عن الصواب أو هي من أجل الشر والباطل حرصا على الشهوة الرخيصة أو الهوى الجامح الذي لا يعبأ بالخير ولا يزن الأمور إلا بميزان الغريزة المتأججة العمياء .
بعد هذا التمييز الذي يفصل بين سبيلين لتتضح الرؤية أمام المسلمين فيقاتلوا عن قناعة وتثبت ، يحرّض الله عباده المؤمنين على مقاتلة الكفرة أولياء الشيطان أي أعوانه وأتباعه . ولا جرم أن يتمثل الشيطان في جماع الرذيلة والفساد والشر ، وتلك معان نكراء يقاتل من أجلها أولياء الشيطان .
ثم يأتي التعقيب المناسب ليجعل للمسلمين سبب الطمأنينة ترتكز في قلوبهم ليقاتلوا بشجاعة وثقة بالله في النصر وذلك بأن ( كيد الشيطان كان ضعيفا ) . والكيد هو المكر والتحيّل والتدبير . وحقيقة الضعف في كيد الشيطان قائمة لا ريب فيها لو عرف المسلمون قدر عقيدتهم فوعوا حقيقة الإسلام ومعانيه في تزكية النفوس وترقيتها لتكون كبيرة مستعلية على الدون من سقط الاهتمامات وسفاسف الحضارات البائسة التعسة التي تتراءى للمخدوعين والمشدوهين فاتنة براقة وهي في حقيقة مضمونها ليست على كل شيء إلا التفكك والمرض والخلخلة . تلك حقيقة ينبغي أن يقف عليها المسلمون ليعاودوا الثقة بأنفسهم وهم يراجعون الحساب مع هذا الذين الذي يأخذ بهم إلى ذروة المجد والقوة والاستعلاء والخير .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.