تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمۡ كُفُّوٓاْ أَيۡدِيَكُمۡ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقِتَالُ إِذَا فَرِيقٞ مِّنۡهُمۡ يَخۡشَوۡنَ ٱلنَّاسَ كَخَشۡيَةِ ٱللَّهِ أَوۡ أَشَدَّ خَشۡيَةٗۚ وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبۡتَ عَلَيۡنَا ٱلۡقِتَالَ لَوۡلَآ أَخَّرۡتَنَآ إِلَىٰٓ أَجَلٖ قَرِيبٖۗ قُلۡ مَتَٰعُ ٱلدُّنۡيَا قَلِيلٞ وَٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لِّمَنِ ٱتَّقَىٰ وَلَا تُظۡلَمُونَ فَتِيلًا} (77)

كفوا أيديكم : أي عن القتال .

أجل : ميعاد .

متاع الدنيا : كل ما يستمتع به ويلذ .

الخطاب لجماعة من المسلمين وفيهم المنافقين وضعفاء الإيمان . .

ألم تنظر يا محمد ، إلى أولئك الذين أمرهم الله بحقن الدماء وكف الأيدي عن القتال قبل أن يجيء الإذن به فقيل لهم : كفوا عن القتال فهو لم يُفرض عليكم بعد ، وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة التي تمكّن الإيمانَ في قلوبكم . ففعلوا . ولما فُرض عليهم القتال كرهه الضعفاء منهم وخشُوا أن يقاتلهم الكفّار وينزلوا بهم النّكال ، وخافوا منهم كخوفهم من الله أو أشد ، وقالوا مستغربين : ربنا لِمَ كتبتَ علينا القتال في هذا الوقت ! متوهّمين أن فرض القتال فيه تعجيل لآجالهم ، ولذلك قالوا : هلا أخّرتَنا إلى زمن قريب نستمتع فيه بما في هذه الدنيا ؟ قُل لهم يا محمد : تقدَّموا للقتال ولو أدى ذلك إلى موتكم ، فإن متاع الدنيا تافه حقير بجانب متاع الآخرة . والآخرة أفضلُ لمن اتقى الله وعمل صالحا ، وستُجزون على أعمالكم في الدنيا بالتمام والكمال ، لا تخسرون خيطاً بقدر الفتيل الذي على شق النواة .

قراءات :

قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي «ولا يظلمون » بالياء .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمۡ كُفُّوٓاْ أَيۡدِيَكُمۡ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقِتَالُ إِذَا فَرِيقٞ مِّنۡهُمۡ يَخۡشَوۡنَ ٱلنَّاسَ كَخَشۡيَةِ ٱللَّهِ أَوۡ أَشَدَّ خَشۡيَةٗۚ وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبۡتَ عَلَيۡنَا ٱلۡقِتَالَ لَوۡلَآ أَخَّرۡتَنَآ إِلَىٰٓ أَجَلٖ قَرِيبٖۗ قُلۡ مَتَٰعُ ٱلدُّنۡيَا قَلِيلٞ وَٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لِّمَنِ ٱتَّقَىٰ وَلَا تُظۡلَمُونَ فَتِيلًا} (77)

{ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا * أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ }

كان المسلمون -إذ كانوا بمكة- مأمورين بالصلاة والزكاة أي : مواساة الفقراء ، لا الزكاة المعروفة ذات النصب والشروط ، فإنها لم تفرض إلا بالمدينة ، ولم يؤمروا بجهاد الأعداء لعدة فوائد :

منها : أن من حكمة الباري تعالى أن يشرع لعباده الشرائع على وجه لا يشق عليهم ؛ ويبدأ بالأهم فالأهم ، والأسهل فالأسهل .

ومنها : أنه لو فرض عليهم القتال -مع قلة عَدَدِهِم وعُدَدِهِم وكثرة أعدائهم- لأدى ذلك إلى اضمحلال الإسلام ، فروعي جانب المصلحة العظمى على ما دونها ولغير ذلك من الحِكَم .

وكان بعض المؤمنين يودون أن لو فرض عليهم القتال في تلك الحال ، غير اللائق فيها ذلك ، وإنما اللائق فيها القيام بما أمروا به في ذلك الوقت من التوحيد والصلاة والزكاة ونحو ذلك كما قال تعالى : { وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا } فلما هاجروا إلى المدينة وقوي الإسلام ، كُتب عليهم القتال في وقته المناسب لذلك ، فقال فريق من الذين يستعجلون القتال قبل ذلك خوفا من الناس وضعفا وخورا : { رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ } ؟ وفي هذا تضجرهم واعتراضهم على الله ، وكان الذي ينبغي لهم ضد هذه الحال ، التسليم لأمر الله والصبر على أوامره ، فعكسوا الأمر المطلوب منهم فقالوا : { لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ } أي : هلَّا أخرت فرض القتال مدة متأخرة عن الوقت الحاضر ، وهذه الحال كثيرًا ما تعرض لمن هو غير رزين واستعجل في الأمور قبل وقتها ، فالغالب عليه أنه لا يصبر عليها وقت حلولها ولا ينوء بحملها ، بل يكون قليل الصبر . ثم إن الله وعظهم عن هذه الحال التي فيها التخلف عن القتال فقال : { قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى } أي : التمتع بلذات الدنيا وراحتها قليل ، فتحمل الأثقال في طاعة الله في المدة القصيرة مما يسهل على النفوس ويخف عليها ؛ لأنها إذا علمت أن المشقة التي تنالها لا يطول لبثها هان عليها ذلك ، فكيف إذا وازنت بين الدنيا والآخرة ، وأن الآخرة خير منها ، في ذاتها ، ولذاتها وزمانها ، فذاتها -كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الثابت عنه- " أن موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها " . ولذاتها صافية عن المكدرات ، بل كل ما خطر بالبال أو دار في الفكر من تصور لذة ، فلذة الجنة فوق ذلك كما قال تعالى : { فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ } وقال الله على لسان نبيه : " أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر " .

وأما لذات الدنيا فإنها مشوبة بأنواع التنغيص الذي لو قوبل بين لذاتها وما يقترن بها من أنواع الآلام والهموم والغموم ، لم يكن لذلك نسبة بوجه من الوجوه .

وأما زمانها ، فإن الدنيا منقضية ، وعمر الإنسان بالنسبة إلى الدنيا شيء يسير ، وأما الآخرة فإنها دائمة النعيم وأهلها خالدون فيها ، فإذا فكّر العاقل في هاتين الدارين وتصور حقيقتهما حق التصور ، عرف ما هو أحق بالإيثار ، والسعي له والاجتهاد لطلبه ، ولهذا قال : { وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى } أي : اتقى الشرك ، وسائر المحرمات . { وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا } أي : فسعيكم للدار الآخرة ستجدونه كاملاً موفرًا غير منقوص منه شيئًا .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمۡ كُفُّوٓاْ أَيۡدِيَكُمۡ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقِتَالُ إِذَا فَرِيقٞ مِّنۡهُمۡ يَخۡشَوۡنَ ٱلنَّاسَ كَخَشۡيَةِ ٱللَّهِ أَوۡ أَشَدَّ خَشۡيَةٗۚ وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبۡتَ عَلَيۡنَا ٱلۡقِتَالَ لَوۡلَآ أَخَّرۡتَنَآ إِلَىٰٓ أَجَلٖ قَرِيبٖۗ قُلۡ مَتَٰعُ ٱلدُّنۡيَا قَلِيلٞ وَٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لِّمَنِ ٱتَّقَىٰ وَلَا تُظۡلَمُونَ فَتِيلًا} (77)

قوله تعالى : ( ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا ) .

ورد في سبب نزولها أن فريقا من المسلمين في مكة كانوا قد رجوا النبي ليأذن لهم بالجهاد فيردوا المشركين ويدفعوهم عن أنفسهم بعد ما لاقوا منهم أذى وعدوانا مع أن الجهاد حينئذ لم يكن مفروضا ؛ إذ كان المسلمون مأمورين بالصفح والصبر وفعل العبادات كالصلاة والزكاة وغيرها . فلما أن بات الجهاد فرضا على المسلمين من بعد الهجرة تخلف هؤلاء الذين كانوا يبدون في مكة حماسة ويطالبون بمحاربة مشركي مكة . لقد نكصوا على أعقابهم وانكشفوا عن خذلان وتخوّف حتى لجوا إلى النبي ( ص ) بالشكوى والاضطراب . على أن الذي يراود الذهن هنا أن هذه الفريق من الناس الذين كانوا يتمنون في مكة أن يؤذن لهم بالجهاد ورد المشركين لم يكونوا من المنافقين ولا المؤمنين حقا . أما أن يكونوا منافقين فلا يتصور ذلك ؛ إذ لا وجود للنفاق والمنافقين في تلك الفترة العصيبة التي لاقى فيها المسلمون العنت والعذاب ولا يكون النفاق إلا حيث الشوكة والمنعة للإسلام{[791]} .

وأما أن يكونوا من المؤمنين من أمثال عبد الرحمن بن عوف وأصحاب له كما قيل فذلك مالا يتصور أيضا ولا يلج حيّز المعقول . إن المؤمنين المخلصين في مرتبة عبد الرحمن بن عوف لا يعقل أن يتمنوا الجهاد حتى إذا بات ذلك مفروضا كفوا وامتنعوا وأبدوا تخاذلا وجبنا ثم خشوا الناس أشد من خشيتهم لله !

إن الذي يمكن تصوره أن هؤلاء كانوا من ضعاف الإيمان الذين كانوا يغمرهم الخوف والتلجلج والذعر . فهم ليسوا من المسلمين الثابتين الأقوياء ، الذين لا تأخذهم في دين الله صيحة حرب ولا قتال للأعداء .

قوله : ( وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال . . ) المقصود بواو الجماعة في قوله : ( وقالوا ) هم ضعاف الإيمان من المسلمين الذين خشوا لقاء العدوّ مثل خشيتهم لله أو أشد خشية فقد تمنّوا كذلك أن لو لم يكتب الله عليهم القتال . وقالوا : ( لولا أخرتنا ) لولا بمعنى هلا وهي أداة تحضيض . فهم يتمنون على الله أشد التمني أن لو أخر عنهم فريضة الجهاد إلى حين آخر . وذلك هو شأن الضعاف المهزومين الذين يرغبون في التسويف في مثل هذه الأمور أو الإبطاء فيها ليمتد بها الزمن فيطويها النسيان . لكن المؤمن المتقي يتورع عن التسويف في ما افترض الله عليه فلا يلبث أن يخف لطاعة الله أو يسارع للاعتصام بحبله المتين من غير مداهنة أو مصانعة أو تسويف .

قوله : ( قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى . . . ) متاع مبتدأ ، وقليل خبره . وهنا يأمر الله نبيه ( ص ) أن يبسط للناس هوان الدنيا وبساطتها ، وأنها مجرد عرض زائل يستمتع به الناس إلى حين من الزمان يمر مرا سريعا لتنتهي بعدها السالفة إلى حيث المطاف الأخير الذي ينتظر كل كائن على وجه هذه الأرض . . الموت .

وما أعظم حديث النبي الكريم في هذا الصدد ؛ إذ يرسم صورة تكشف عن حقيقة الحياة الدنيا وأنها حطام مندثر يستمتع به البشر في غمرة اللهو والمرح إلى أجل محدود . يقول عليه الصلاة والسلام : " مالي وللدنيا ، ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب استظل بظل شجرة ساعة من نهار ثم راح وتركها " {[792]} .

وإذا ترسخ هذا الاعتبار في التصوّر أدركنا في يقين لا يخالطه شك أن الآخرة لهي خير وأفضل لما تتصف به من حسن وبقاء مستديم . وتلك حقيقة يؤمن بها المتّقون الذين يخشون الله ولا يخشون أحدا سواه والذين يزنون الأمور على الدوام بميزان الله ، فلا يجنحون إلى الدنيا بحطامها ومتاعها تحت مطارق الشهوات العاتية الحامية .

وفي اليوم الآخر تنكشف السرائر والخبايا لتقف البشرية حاسرة أمام الخالق القاهر الديان لتناقش الحساب ( ولا تظلمون فتيلا ) أي لا يكون هناك ظلم ولو بمقدار الفتيل وهو الخيط على لفافة التمرة التي تحيط بالنواة . أو ما يتحصل من أوساخ مفتولة تظهر على الكفين إذا تفاركا .


[791]:- أسباب النزول للنيسابوري ص 111 وتفسير الطبري جـ 4 ص 108.
[792]:- أخرج مثله أحمد والترمذي وابن ماجه عن ابن مسعود.