هنا كرر قضية آل فرعون فقد كانت المرة الأولى لبيان كفرهم فأخذَهم بالعذاب ، أما الثانية فهي أن حال هؤلاء كحال آل فرعون والذين من قبلهم في تغيير النعم .
وكما أن دأْب هؤلاء الكفار في الإنكار لآيات الله ونعمه كدأب آل فرعون والذين من قبلهم ، فإن دأبهم أيضا الاستمرار على التكذيب برسله ، مثل آل فرعون والذين من قبلهم ، من ثم كان الشبه بينهم في الكفر بالآيات وجحود رسالة الرسل ، وفي الاستمرار على ذلك .
لهذا أخذ الله الجميع بذنوبهم : أولئك بالصواعق والرياح ونحوها ، وآل فرعون بالغرق ، وكلهم كانوا ظالمين ، فاستحقوا ما نزل بهم من العقاب .
{ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ ْ } أي : فرعون وقومه { وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ ْ } حين جاءتهم { فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ ْ } كل بحسب جرمه .
{ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ ْ } من المهلكين المعذبين { كَانُوا ظَالِمِينَ ْ } لأنفسهم ، ساعين في هلاكها ، لم يظلمهم اللّه ، ولا أخذهم بغير جرم اقترفوه ، فليحذر المخاطبون أن يشابهوهم في الظلم ، فيحل اللّه بهم من عقابه ما أحل بأولئك الفاسقين .
فلما جاءتهم الرسل وأوضحوا لهم الأمر إيضاحاً{[35156]} ليس معه لبس فكذبوهم ، غيروا ما كان{[35157]} في نفوسهم مما كانوا يزعمون ؛ ثم كرر قوله : { كدأب آل فرعون } أي فرعون وقومه فإنهم أتباعه فلا يخيل{[35158]} انهم يفعلون شيئاً إلا وهو قائدهم فيه { والذين من قبلهم } - لدقيقة ، وهي أنه قد تقدم أنه ما{[35159]} من أمة إلا ابتليت بالضراء والسراء ، فالأولى ينظر إليها مقام الإلهية الناظر إلى العظمة والكبرياء والقهر والانتقام ، والثانية ثمرة مقام الربوبية الناشىء عنه التودد والرحمة والرأفه والإكرام ، لذا عبر في الأولى باسم الذات الجامع لجميع الصفات الذي لفظه - عند من يقول باشتقاقه - موضوع لمعنى الإلهية إشارة إلى أنهم أعرضوا في حال الضراء عن التصديق وعاملوا بالتجلد والإصرار ، ولذا عبر في هذه الثانية باسم الرب فقال : { كذبوا } أي عناداً زيادة على تغطية ما دل عليه العقل بالتكذيب بالنقل { بآيات ربهم } فأشار بذلك إلى بطرهم بالنعم وتكذيبهم أنها بسبب دعاء الرسل .
ولما أشار بالتعبير به إلى أنه غرهم معاملته بالعطف والإحسان ، قال : { فأهلكناهم } أي جميعاً { بذنوبهم وأغرقنا } فأتى بنون العظمه{[35160]} إشارة إلى أنه أتاهم بما أنساهم{[35161]} ذلك البر { آل فرعون } و{[35162]} إشارة إلى أنهم نسوا أن الرب كما أنه يتصف بالرحمة فلا بد أن يتصف بالعظمة والنقمة وإلا لم تتم ربوبيته ، وهذا واضح مما تقدم في الأعراف عن التوراة في شرح
{ فأرسلنا عليهم الطوفان }{[35163]}[ الأعراف : 133 ] - إلى آخرها ، من أن فرعون كان يسأل{[35164]} موسى عليه السلام عند كل نازلة الدعاء برفعها معتلاً بأن الرب ذو حلم وأناة و{[35165]} رحمة ، وقدم الأولى إشارة إلى أنهم بلغوا الغاية في الجرأة ، والتعبير فيها ب { كفروا } يؤيد لذلك ، أي أن مجرد الستر للآيات بالإعراض عنها كافٍ في إيجاب الانتقام ولو لم يصرح بتكذيب لعظم المقام ، ومادة كفر - بأيّ ترتيبة كان{[35166]} - تدور على الخلطة المميلة المحيلة ، وبخصوص هذا الترتيب تدور على الستر ، أي غطوا{[35167]} التصديق بآيات ربهم ، ويجوز - وهوالأحسن - أن يكون دورانها - مطلقاً لا بقيد ترتيب - على الفكر{[35168]} ، وهو إرسال عين البصيرة في طلب أمر ويلزمه الكشف والستر لأنه تارة يرفع أذيال الشبه {[35169]}عن ذلك الأمر فينجلي ويتحقق ، وتارة يسلط قواطع الأدلة عليه فينعدم ويتمحق ، وربما أرخى أذيال الشبه{[35170]} عليه فأخفى بعد أن كان جلياً كما كان شمرها عنه فألقى وقد كان خفياً .
ولما أخبر سبحانه بهلاكهم ، أخبر بالوصف الجامع لهم بالهلاك فقال : { وكل } أي من هؤلاء ومن تقدمهم من آل فرعون ومن قبلهم { كانوا } أي جبلة وطبعاً { ظالمين * } أي{[35171]} لأنفسهم وغيرهم واضعين الآيات في غير مواضعها وهم يظنون بأنفسهم العدل ؛
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.