تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{ثُمَّ رَدَدۡنَا لَكُمُ ٱلۡكَرَّةَ عَلَيۡهِمۡ وَأَمۡدَدۡنَٰكُم بِأَمۡوَٰلٖ وَبَنِينَ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ أَكۡثَرَ نَفِيرًا} (6)

رددنا لكم الكرة : أعطيناكم الغلبة .

أكثر نفيرا : أكثر عدداً .

فإذا اعتبرنا هذه الفترة كلها هي الأولى ، تكون هي المقصودة بقوله تعالى : { ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الكرة عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا }

وتكون هذه الفترة فترة استقرار . ثم جاء عهد اليونان حيث لاقوا أسوأ الحالات في عهد الملك السلوقي انطيوخس الرابع وذلك سنة 175- 164 قبل الميلاد ، إذ دمر الهيكل ونهب خزائنه وأجبر اليهود على نبذ اليهودية واعتناق الوثنية اليونانية . وبقي الصراع بين اليهود يشتد حتى اندلعت ثورة المكابيين ودام عصرهم نحو قرن وربع ، إلى أن جاء الرومان ، وعين الملك هيرودس الأدومي فسمح لليهود بإعادة بناء الهيكل سنة 39 قبل الميلاد . وفي سنة 66 م قامت ثورة عارمة شاملة من اليهود على الحكم الروماني ، بعد سلسلة من المعارك سيطر تيطس الروماني على الموقف وتمكن من القضاء على اليهود سنة 70 . وأوقع فهيم مذبحة مريعة وخرب المدينة ، وأحرق الهيكل ودمره نهائيا فأُزيل من الوجود بحيث لم يعد يهتدي الناس إلى موضعه ، وسيق الأحياء عبيدا .

ويقول المسعودي إن عدد القتلى من اليهود والمسيحيين بلغ ثلاثة ملايين ، فيكون هذا معنى قوله تعالى :

{ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخرة لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا المسجد كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوا تَتْبِيراً } .

هذا محصل تاريخ اليهود في فلسطين والله أعلم .

فإذا تأملنا في الآيات الكريمة نجد النصَّ الصريحَ على أن بني إسرائيل إذا حكموا وسيطروا طغوا وبغوا وأفسدوا في الأرض وعلَوا علّوا كبيرا ، وإذا لم يحكموا أفسدوا وسيطروا على المال ، وهذا ما نراه اليوم من طغيانهم وبغيهم وتسلطهم في فلسطين . وهم في بقية أنحاء العالم أيضا مفسِدون مسيطرون ، يسيِّرون الحكام والزعماء على أهوائهم وحسب ما يريدون ، وينشرون الفساد في كل أرجاء العالم ، وسيظلون على هذا الحال ولا يمكن أن يغيروا من طباعهم وتعاليم دينهم المحرَّف .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{ثُمَّ رَدَدۡنَا لَكُمُ ٱلۡكَرَّةَ عَلَيۡهِمۡ وَأَمۡدَدۡنَٰكُم بِأَمۡوَٰلٖ وَبَنِينَ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ أَكۡثَرَ نَفِيرًا} (6)

ثم أشار - سبحانه - إلى الفائدة الثالثة من هذا الإِخبار ، وهى أن الأمم المغلوبة على أمرها . تستطيع أن تسترد مجدها ، متى أصلحت من شأن أنفسها ، ومتى استقامت على أمر الله - تعالى - فقال - سبحانه - : { ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الكرة عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً } .

ففى هذه الآية الكريمة تذكير لبنى إسرائيل بجملة من نعم الله عليهم ، بعد أن أصابهم ما أصابهم من أعدائهم .

أما النعمة الأولى فقد عبر عنها - سبحانه - بقوله : { ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الكرة عَلَيْهِمْ } .

والكَرَّة : المرة من الشئ : وأصلها من الكَرِّ وهو الرجوع ، مصدر كريكر - من باب قتل - ، يقال : كرَّ الفارس كَرًّا ، إذا فر للجولان ثم عاد للقتال .

والمراد بالكرة هنا : الدولة والغلبة على سبيل المجاز .

أى : ثم أعدنا لكم - يابنى إسرائيل - الدولة والغلبة علىأعدائكم الذين قهروكم وأذلوكم ، بعد أن أحسنتم العمل ، ورجعتم إلى الله - تعالى - واتبعتم ماجاءكم به رسلكم .

والتعبير بثم لإِفادة الفرق الشاسع بين ما كانوا فيه من ذل وهوان ، وما أفاءه الله عليهم بعد ذلك من نصر وظفر .

قال أبو حيان : وجعل - سبحانه - { رددنا } موضع نرد - إذ وقت إخبارهم لم يقع الأمر بعد - لأنه لما كان وعد الله فى غاية الثقة فى كونه سيقع ، عبر عن المستقبل بالماضى .

وأما النعمة الثانية فقد عبر عنها - سبحانه - بقوله : { وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ } .

أى : لم نكتف بأن جعلنا النصر لكم على أعدائكم ، بل فضلا عن ذلك ، أمددناكم بالكثير من الأموال والأولاد ، بعد أن نهب أعداؤكم أموالكم ، وقتلوا الكثيرين من أبنائكم .

وأما النعمة الثالثة فتتجلى فى قوله - تعالى - : { وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً } .

والنفير : من ينفر مع الرجل من قومه لنصرته ومؤازرته ، وهو منصوب على التمييز . والمفضل عليه محذوف ، والتقدير : وجعلناكم أكثر عددا وقوة من أعدائكم الذين جاسوا خلال دياركم . .

فمن الواجب عليكم أن تقدروا هذه النعم ، وأن تحسنوا الاستفادة منها ، بأن تشكروا الله - تعالى - وتخلصوا له العبادة والطاعة ، فقد نصركم بعد هزيمتكم ، وأغناكم بعد فقركم ، وكثّركم بعد قتلكم .