تأويلات أهل السنة للماتريدي - الماتريدي  
{ثُمَّ رَدَدۡنَا لَكُمُ ٱلۡكَرَّةَ عَلَيۡهِمۡ وَأَمۡدَدۡنَٰكُم بِأَمۡوَٰلٖ وَبَنِينَ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ أَكۡثَرَ نَفِيرًا} (6)

الآية6 : وقوله تعالى : { رددنا لكم الكرة عليهم } أي الغلبة والهلاك عليهم { وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا } أي أكثر رجالا منكم ، قيل : ذلك عددا {[10662]} ، ثم إذا عصوا ثانيا وكفروا بربهم ، سلط الله عليهم قوما آخرين ، فدمروا عليهم . فذلك قوله : { فإذا جاء وعد الآخرة }( الإسراء : 7و104 )الهلاك والتدمير ، أي موعود الآخرة { ليسوءوا وجوهكم }( الإسراء : 7 ) .

ثم وعد لهم الرحمة إن تابوا ، ورجعوا عن ذلك بقوله : { عسى ربكم أن يرحمكم }( الإسراء : 8 )ثم أوعدهم العود إليهم بالعقوبة بقوله : { وإن عدتم عدنا } أي وإن عدتم إلى المعاصي عدنا عليكم بالعقوبة .

ثم قول أهل التأويل : إنه سلط عليهم بختنصر وجالوت ثم فلانا وفلانا فذلك لا يعلم إلا بالخبر عن رسول الله ، وليس في الآية سوى أنه بعث عليهم { عبادا لنا أولي بأس شديد } فلا يزاد على ذلك إلا بالخير سوى أنه ذكر هذا لنا . وفيه وجهان{[10663]} من الحكمة :

أحدهم{[10664]} : ما ذكرنا من إثبات نبوة محمد ومن صدق رسولهم حين{[10665]} حذرهم العقوبة بعصيانهم . فكان كما قال .

والثاني{[10666]} : تحذيرنا عن مثل صنيعهم لأنهم ليسوا بذلك أولى من غيرهم .

وقال القتبي : { فجاسوا خلال الديار } أي عاثوا بين الديار وأفسدوا ويقال : جاسوا واجتاسوا { ثم رددنا لكم الكرة } أي الدولة ، وقوله تعالى : { أكثر نفيرا }أي عددا .

وقال أبو عوسجة : { أكثر نفيرا }هو من الخروج والنفر ، ومعناه : أكثر عددا .

وقال أبو عبيدة : { فجاسوا خلال الديار } معناه : أي فقتلوا في ديارهم .

وقال قتادة : النفير المقاتلة الذين يستنفرون للقتال ، أي لو استنفرتم أنتم ، واستنفر أولئك كنتم أكثر منهم . ثم جاء قوله : { فإذا جاء وعد أولاهما }إلى قوله { فجاسوا خلال الديار } .

ومعلوم {[10667]} أنه لم يكن في كتابهم هذا اللفظ{ بعثنا عليكم }{ فجاسوا }على الابتداء ، ولكن كان ، والله أعلم ، إذا جاء وعد أولاهما ليبعثن عبادا أولي بأس شديد ، يتجسسون ، أو يجتاسون .

لكن خاطب بهذا ، والله أعلم ( الذين ) {[10668]} كانوا بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن كانوا هم لم يفعلوا ما ذكر ، لكن لما فعل أوائلهم خاطب هؤلاء لما كانوا/296-ب/يفتخرون بأوائلهم ، ويقولون هم { نحن أبناؤا الله وأحباؤه }( المائدة : 18 ) فيذكر هؤلاء نعمة التي أنعم على أولئك ، ويحذرهم صنيعهم ، وهو ما خاطبهم بقوله : { وإذا قلتم يا موسى لن نؤمن لك }الآية( البقرة : 55 )وقوله : { وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد }( البقرة : 61 )ونحوه .

خاطب هؤلاء الذين كانوا بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاتبهم على صنيع أولئك وفعلهم ، وإن كان هؤلاء لم يقولوا ذلك لما ( لم يرضوا ) {[10669]} بصنيع أولئك ، وتحذيرا عن مثل صنيعهم ، والله أعلم .


[10662]:من م، في الأصل: وعدا.
[10663]:في الأصل و.م: وجوه.
[10664]:في الأصل و.م: أحدهما.
[10665]:في الأصل و.م: حيث.
[10666]:في الأصل و.م: وفيه.
[10667]:الواو ساقطة من الأصل و.م.
[10668]:ساقطة من الأصل و.م.
[10669]:في الأصل وم: رضوا.