الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ يَرُدُّوكُم بَعۡدَ إِيمَٰنِكُمۡ كَٰفِرِينَ} (100)

نزلت في يهودي أراد تجديد الفتنة بين الأوس والخزرج بعد انقطاعها بالنبي صلى الله عليه وسلم ، فجلس بينهم وأنشدهم شعرا قاله أحد الحَيَّين في حربهم . فقال الحي الآخر : قد قال شاعرنا في يوم كذا وكذا ، فكأنهم دخلهم من ذلك شيء ، فقالوا : تعالوا نرد الحرب جذعاء كما كانت . فنادى هؤلاء : يا آل أوس . ونادى هؤلاء . يا آل خزرج ، فاجتمعوا وأخذوا السلاح واصطفوا للقتال فنزلت هذه الآية ، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم حتى وقف بين الصفين فقرأها ورفع صوته ، فلما سمعوا صوته أنصتوا له وجعلوا يستمعون ، فلما فرغ ألقوا السلاح وعانق بعضهم بعضا وجعلوا يبكون ، عن عكرمة وابن زيد وابن عباس . والذي فعل ذلك شاس بن قيس اليهودي ، دس على الأوس والخزرج من يذكرهم ما كان بينهم من الحروب ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أتاهم وذكرهم ، فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان ، وكيد من عدوهم ، فألقوا السلاح من أيديهم وبكوا وعانق بعضهم بعضا ، ثم انصرفوا مع النبي صلى الله عليه وسلم سامعين مطيعين ، فأنزل الله عز وجل : " يا أيها الذين آمنوا " يعني الأوس والخزرج . " إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب " يعني شاسا وأصحابه " يردوكم بعد إيمانكم كافرين " قال جابر بن عبد الله : ما كان طالع أكره إلينا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأومأ إلينا بيده فكففنا وأصلح الله تعالى ما بيننا ، فما كان شخص أحب إلينا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فما رأيت يوما أقبح ولا أوحش أولا وأحسن آخرا من ذلك اليوم .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ يَرُدُّوكُم بَعۡدَ إِيمَٰنِكُمۡ كَٰفِرِينَ} (100)

قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانهم كافرين وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله فقد هدى إلى صراط مستقيم ) .

نزلت هذه الآية في يهودي أراد أن يثير الفتنة والعداوة بين الحيين من المسلمين وهما الأوس والخزرج بعد أن غاظ اليهود ما رأوه من اجتماع المسلمين وتآلفهم حول الإسلام ، فذكرهم بما كان بينهم في الجاهلية من دماء وثارات وحروب حتى أثار فيهم حمية الجاهلية واستشاط في نفوسهم نزعة الجنوح للتأثر والضلالة فنادى هؤلاء : يا آل أوس ، ونادى هؤلاء يا آل خزرج فقاموا للحرب والفتنة فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين حتى جاءهم فقال : " يا معشر المسلمين أتدعون الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن أكرمكم الله بالإسلام وقطع به عنكم أمر الجاهلية وألف بينكم فترجعون إلى ما كنتم عليه كفارا . ألله ألله{[551]} فأدرك القوم أن الشيطان نزغ بينهم فكادوا يرتكسون في الفتنة لولا ترشيد النبي صلى الله عليه و سلم لهم فرجعوا إلى صوابهم والرشد ، وأقبل بعضهم على بعض متعانقين متوادين ، فنزلت هذه الآية ، وفيها يحذر الله المسلمين من طاعة أهل الكتاب الذين يحسدونهم حسدا شديدا والذين تكن لهم صدروهم من الضغن ما لا يرجون لهم معه غير الشر وسوء العاقبة في الدين والدنيا ؛ وكل ذلك لأن المسلمين على الحق . وهم لا يبتغون لأنفسهم وللبشرية كلها غير الهداية والرشاد والاستقامة .

ذلك هو ديدن المسلمين ، وتلك هي سجيتهم المستمدة من روح الإسلام ومن طبيعته السمحة الكريمة التي تقيم الحياة على العدل والخير والطهارة والمعروف ، بعيدا عن الشر وكل مسالك الزلل والرذيلة ؛ من أجل ذلك يكرههم الكافرون ، سواء فيهم أهل الكتاب أو غيرهم من الوثنيين والملحدين .

أجل ! يحذر الله عباده المؤمنين من الاغترار بأساليب أهل الكتاب في المراوغة والتضليل لكي يردوهم عن دينهم الإسلام إن استطاعوا لينقلبوا بذلك منتكسين كفارا ! !


[551]:- أسباب النزول للنيسابوري ص 77.