الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{قُلۡ يَـٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ تَبۡغُونَهَا عِوَجٗا وَأَنتُمۡ شُهَدَآءُۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ} (99)

قوله تعالى : " قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله " أي تصرفون عن دين الله " من آمن " . وقرأ الحسن " تُصِدون " بضم التاء وكسر الصاد وهما لغتان : صَدّ وأصَدّ ؛ مثل صل اللحم وأصَلَّ إذا أنتن ، وخَمّ وأّخَمّ أيضا إذا تغير . " تبغونها عوجا " تطلبون لها ، فحذف اللام ؛ مثل " وإذا كالوهم " {[3281]} [ المطففين : 3 ] . يقال : بغيت له كذا أي طلبته . وأبغيته كذا أي أعنته . والعوج : الميل والزيغ ( بكسر العين ) في الدِّين والقول والعمل وما خرج عن طريق الاستواء . و( بالفتح ) في الحائط والجدار وكل شخص قائم ، عن أبي عبيدة وغيره . ومعنى قوله تعالى : " يتبعون الداعي لا عوج له " {[3282]} [ طه : 108 ] أي لا يقدرون أن يعوجوا{[3283]} عن دعائه . وعاج بالمكان وعوج أقام ووقف . والعائج الواقف ، قال الشاعر :

هل أنتم عائجون بنا لَعَنّا{[3284]} *** نرى العَرَصاتِ{[3285]} أو أثر الخيام

والرجل الأعوج : السيء الخلق ، وهو بيِّن العَوَج . والعُوج من الخيل التي في أرجلها تحنيب{[3286]} . والأعوجية من الخيل تنسب إلى فرس كان في الجاهلية سابقا . ويقال : فرس مُحَنَّب إذا كان بعيد ما بين الرجلين بغير فَحَج ، وهو مدح . ويقال : الحَنَب اعوجاج في الساقين . قال الخليل : التحنيب يوصف في الشدة ، وليس ذلك باعوجاج .

قوله تعالى : " وأنتم شهداء " أي عقلاء . وقيل : شهداء أن في التوراة مكتوبا أن دين الله الذي لا يقبل غيره الإسلام ، إذ فيه{[3287]} نعت محمد صلى الله عليه وسلم .


[3281]:- راجع جـ9 ص 248.
[3282]:- راجع جـ11 ص 246.
[3283]:- في حـ و ا: لا يقدرون بألا يعوجوا عن مكانه.
[3284]:- لعنا: لغة في لعل.
[3285]:- العرصة: كل بقعة بين الدور ليس فيها بناء. وعرصة الدار: وسطها.
[3286]:- التحنيب: احديداب في وظيفي الفرس أيضا.
[3287]:- في د و ب: وأن فيه.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{قُلۡ يَـٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ تَبۡغُونَهَا عِوَجٗا وَأَنتُمۡ شُهَدَآءُۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ} (99)

وثمة استنكار بالغ آخر فيه من التعنيف ما يندد بيهود لصدهم عن سبيل الله . والصد يعني المنع ، صد عنه صدودا ، أعرض ، وصد فلانا عن كذا صدا أي منعه وصرفه عنه{[549]} والمراد بصدهم عن سبيل الله أنهم كانوا يفتنون المؤمنين ويحتالون لصدهم عن الإسلام بمختلف الأساليب والحيل كإلقاء الشبهات والشكوك في قلوب الضعفة منهم . وقيل : أتت يهود الأوس والخزرج فذكروهم بما كان بينهم في الجاهلية من العداوات والحروب ؛ ليثيروا في نفوسهم البغضاء والمشاحنة فيعاودوا القتال بينهم ، وسبيل الله يعني دينه الحق وهو الإسلام .

قوله : ( تبغونها عوجا ) أي تطلبون لها اعوجاجا وميلا عن القصد والاستقامة و ( عوجا ) منصوب في موضع الحال ، وكذلك الجملة القرآنية ( تبغونها عوجا ) في محل نصب على الحال ، والهاء في ( تبغونها ) عائدة على السبيل ، وتأويل الآية أنكم تطلبون لسبيل الله ، الذي هو الإسلام ، الزيغ والميل والاعوجاج . ذلك أنكم تلبسون على الناس وتوهموا لهم أن فيه عوجا عن الحق والاستقامة وأنكم وحدكم على الطريق المستقيم ، مع أنكم تشهدون ما تجدونه مكتوبا عندكم في التوراة أن الإسلام وهو دين الله وأنه الحق المستقيم ، وأنه لا يجحده أو يستنكف عنه إلا ضال أثيم{[550]} .

قوله : ( وما الله بغافل عما تعملون ) ذلك وعيد مرعب يتهدد به الله هؤلاء المفسدين الزائغين عن صراطه ، إنه تهديد يثير في النفس الذعر والرهب ، فما يكاد المرء يتملى إيقاع هذه العبارة حتى يجد نفسه ومشاعره مستجاشة ومذعورة ، لكم هو تهديد الله لهؤلاء الضالين المضلين الذين يصدون عن دين الله ويفترون على الإسلام ونبيه الكذب والأباطيل ليثنوا المسلمين عن دينهم الحق وذلك بمختلف الحيل والمخططات في التضليل والتوهيم واصطناع الشبهات والشكوك والفتن .

أجل ! يتوعد الله هؤلاء الأشرار لما قارفوه من الاعوجاج والزيغ والتحريف ، بالعقاب الأليم والنكال البئيس ، فهو سبحانه عالم بأفعالهم ، مطلع على أستارهم وما يكنون ولا تأخذه في ذلك غفلة ولا نسيان .


[549]:- القاموس المحيط جـ 1 ص 317.
[550]:- الكشاف للزمشخري جـ 1 ص 449، 450 وفتح القدير للشوكاني جـ 1 ص 366 وتفسير الرازي جـ 8 ص 168- 172.