الأولى : ثبت في صحيح مسلم عن أبي ذر قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أول مسجد وضع في الأرض قال : ( المسجد الحرام ) . قلت : ثم أي ؟ قال : ( المسجد الأقصى ) . قلت : كم بينهما ؟ قال : ( أربعون عاما ثم الأرض لك مسجد فحيثما أدركتك الصلاة فصل ) . قال مجاهد وقتادة : لم يوضع قبله بيت . قال علي رضي الله عنه : كان قبل البيت بيوت كثيرة ، والمعنى : أنه أول بيت وضع للعبادة . وعن مجاهد قال : تفاخر المسلمون واليهود فقالت اليهود : بيت المقدس أفضل وأعظم من الكعبة ؛ لأنه مهاجر{[3227]} الأنبياء وفي الأرض المقدسة . وقال المسلمون : بل الكعبة أفضل ، فأنزل الله هذه الآية . وقد مضى في البقرة{[3228]} بنيان البيت وأول من بناه . قال مجاهد : خلق الله موضع هذا البيت قبل أن يخلق شيئا من الأرض بألفي سنة ، وأن قواعده لفي الأرض السابعة السفلى . وأما المسجد الأقصى فبناه سليمان عليه السلام ، كما خرجه النسائي بإسناد صحيح من حديث عبد الله بن عمرو . وعن النبي صلى الله عليه وسلم : ( أن سليمان بن داود عليه السلام لما بنى بيت المقدس سأل الله خلالا ثلاثة سأل الله عز وجل{[3229]} حكما يصادف حكمه فأوتيه ، وسأل الله عز وجل ملكا لا ينبغي لأحد من بعده فأوتيه ، وسأل الله عز وجل حين فرغ من بناء المسجد ألا يأتيه أحد لا ينهزه{[3230]} إلا الصلاة فيه أن يخرجه من خطيئته كيوم ولدته أمه فأوتيه ) . فجاء إشكال بين الحديثين ؛ لأن بين إبراهيم وسليمان آمادا طويلة . قال أهل التواريخ : أكثر من ألف سنة . فقيل : إن إبراهيم وسليمان عليهما السلام إنما جددا ما كان أسسه غيرهما . وقد روي أن أول من بنى البيت آدم عليه السلام كما تقدم . فيجوز أن يكون غيره من ولده وضع بيت المقدس من بعده بأربعين عاما ، ويجوز أن تكون الملائكة أيضا بنته بعد بنائها البيت بإذن الله ، وكل محتمل . والله أعلم . وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : أمر الله تعالى الملائكة ببناء بيت في الأرض وأن يطوفوا به ؛ وكان هذا قبل خلق آدم ، ثم إن آدم بنى منه ما بنى وطاف به ، ثم الأنبياء بعده ، ثم استتم بناءه إبراهيم عليه السلام .
الثانية : قوله تعالى : " للذي ببكة " خبر " إن " واللام توكيد . و " بكة " موضع البيت ، ومكة سائر البلد ، عن مالك بن أنس . وقال محمد بن شهاب : بكة المسجد ، ومكة الحرم كله ، تدخل فيه البيوت . قال مجاهد : بكة هي مكة . فالميم على هذا مبدلة من الباء ، كما قالوا : طين لازب ولازم . وقاله الضحاك والمؤرج . ثم قيل : بكة مشتقة من البك وهو الازدحام . تباك القوم ازدحموا . وسميت بكة لازدحام الناس في موضع طوافهم . والبك : دق العنق . وقيل : سميت بذلك لأنها كانت تدق رقاب الجبابرة إذا ألحدوا فيها بظلم . قال عبد الله بن الزبير : لم يقصدها جبار قط بسوء إلا وَقَصَه{[3231]} الله عز وجل . وأما مكة فقيل : إنها سميت بذلك لقلة{[3232]} مائها وقيل : سميت بذلك لأنها تَمُكُّ المخ من العظم مما ينال قاصدها من المشقة ، من قولهم : مككت العظم إذا أخرجت ما فيه . ومك الفصيل ضرع أمه وامتكَّه إذا امتص كل ما فيه من اللبن وشربه ، قال الشاعر :
مَكّت فلم تُبْقِ في أجوافها دِرَرا
وقيل : سميت بذلك لأنها تمك من ظَلَم فيها ، أي تهلكه وتنقصه . وقيل : سميت بذلك ؛ لأن الناس كانوا يمُكُّون ويضحكون فيها ، من قوله : " وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية " {[3233]} [ الأنفال :35 ] أي تصفيقا وتصفيرا . وهذا لا يوجبه التصريف ؛ لأن " مكة " ثنائي مضاعف و " مُكاء " ثلاثي معتل .
الثالثة : قوله تعالى : " مباركا " جعله مباركا لتضاعف العمل فيه ، فالبركة كثرة الخير ، ونصب على الحال من المضمر في " وضع " أو بالظرف من " بكة " ، المعنى الذي استقر " ببكة مباركا " ويجوز في غير القرآن " مبارك " ، على أن يكون خبرا ثانيا ، أو على البدل من الذي ، أو على إضمار مبتدأ . " وهدى للعالمين " عطف عليه ، ويكون بمعنى وهو هدى للعالمين . ويجوز في غير القرآن " مبارك " بالخفض يكون نعتا للبيت .
قوله تعالى : ( إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان منا ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ) .
جاء في سبب نزول هذه الآية أن المسلمين واليهود تفاخروا ، فقالت اليهود : بيت المقدس أفضل وأعظم من الكعبة ؛ لأنه مهاجر الأنبياء وفي الأرض المقدسة ، وقال المسلمون : بل الكعبة أفضل ، فأنزل الله تعالى هذه الآية{[523]} .
يخبر الله تعالى في ذلك أن أول بيت وضع لعموم الناس من أجل عبادتهم لهو الذي ببكة . وليس المراد أنه أول بيت وضع في الأرض ؛ لأنه كانت قبله بيوت كثيرة ، يدل على ذلك من الأخبار ما رواه أحمد عن أبي ذر رضي الله عنه قال : قلت : يا رسول الله ! أي مسجد وضع أول ؟ قال : " المسجد الحرام " قلت : ثم أي ؟ قال : " المسجد الأقصى " قلت : كم بينهما ؟ قال : " أربعون سنة " قلت : ثم أي ؟ قال : " ثم حيث أدركتك الصلاة فصل فكلها مسجد " {[524]} .
وقام رجل إلى علي رضي الله عنه فقال : ألا تحدثني عن البيت أهو أول بيت وضع في الأرض ؟ قال : لا ، ولكنه أول بيت وضع فيه البركة مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا{[525]} .
إذا ثبت أن هذا البيت ( الكعبة ) أول بيت وضع للناس كيما يعبدوا الله فيه ، فإنه ينبغي القول أن هذا البيت خير بيوت العبادة في الأرض طُرّا ؛ وذلك لما يُحف به من الفضل والشرف وعلو المكانة . وذلك مستفاد من ظاهر الآية ( مباركا ) طيبا .
وقد دلل الإمام الرازي على ثبوت الأولية في الفضل والشرف للكعبة خاصة يجعلها تعلو في المنزلة على بيت المقدس . وذلك بجملة دلائل منها : أولا : اتفاق الأمم على أن باني البيت هو إبراهيم الخليل عليه السلام ، وأن باني بيت المقدس هو سليمان عليه السلام . والخليل من حيث الدرجة أعظم من سليمان عليه السلام ، فهو ( الخليل ) أحد النبيين الخمسة أولى العزم المفضلين على سائر الأنبياء والمرسلين . فمن هذا الوجه لزم أن تكون الكعبة أشرف من بيت المقدس .
ثانيا : خاصية الأمن التي تتجلى في مكة حيث البيت الحرام بما ليس لذلك نظير في سائر بقاع الدنيا . وعلى هذا فإن كل من سكن مكة أمن من النهب والغارة ، لا جرم أن ذلك ببركة دعاء إبراهيم الخليل عليه السلام ؛ حيث قال : ( رب اجعل هذا بلدا آمنا ) وقال سبحانه فيما يتجلى في هذا البيت من أمن : ( أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم ) ولم ينقل البتة أن ظالما هدم الكعبة وخرب مكة بالكلية ؛ لكن بيت المقدس قد هدمه الطاغية الشقي ، الكلداني بختنصر بالكلية .
ثالثا : لما قاد أبرهة الأشرم الجيوش والفيل متوجها صوب مكة لتخريب الكعبة وتدميرها وقد عجزت قريش عن مقاومة أولئك الطغاة المخربين ففارقت مكة لتظل الكعبة وحدها هدفا ميسورا لأبرهة وعساكره المفسدين فأرسل الله عليهم طيرا أبابيل ، وكانت صغارا تحمل أحجارا ترميمهم بها فهلك الملك وهلك العسكر بتلك الأحجار مع أنها كانت في غاية الصغير ، لا جرم أن هذه آية باهرة دالة على شرف الكعبة وهي إرهاص{[526]} لنبوة محمد صلى الله عليه و سلم{[527]} .
قوله : ( الذين ببكة ) اللام تفيد التوكيد . وبكة المراد بها مكة ، أما اشتقاقها فهو موضع خلاف ، فقد قيل : من البك وهو التدافع والتزاحم . بكه يبكه بكا إذا دفعه وزحمه . وتباك القوم إذا ازدحموا . وعلى هذا سميت مكة بكة ؛ لأنهم يتباكّون فيها أي يزدحمون في الطواف .
وقيل : البك معناه الدق . وسميت بكة ؛ لأنها تبك أعناق الجبابرة فلا يريدها جبار بسوء إلا اندقت عنقه وقيل غير ذلك{[528]} .
قوله : ( مباركا ) منصوب على الحال ، من البركة وهي النماء والزيادة ، وقد جعل البيت الحرام مباركا لما يحصل لحاجه ومعتمره والعاكف عنده والطائف من حوله من الخير المضاعف الكثير ، لا جرم أن فعل الخيرات وأداء الطاعات في بيت الله الحرام يفوق في كثرته فعل الطاعات والخيرات فيما سواه من الأماكن الأخرى ، فضلا عما يسعد به العابد في تلكم الديار من تكفير للخطايا والذنوب واستجابة للدعوات يهتف بها القلب المؤمن ، وهو في رحاب الله حيث البيت المفضل العتيق .
قوله : ( وهدى للعالمين ) الهدى يعني الرشاد والدلالة . هداه هدى وهديا وهداية ، أي أرشده ودله . ومنه هداه الله الطريق{[529]} وتأويل الآية هو أن الكعبة جعلت قبلة للناس لكي يستدلوا على جهة صلاتهم فحيثما كانوا لزمهم عند أداء الصلاة أن ييمموا شطرها .