قوله تعالى : " تلك من أنباء الغيب " أي تلك الأنباء ، وفي موضع آخر " ذلك " أي ذلك النبأ والقصص من أنباء ما غاب عنك . " نوحيها إليك " أي لتقف عليها . " ما كنت تعلمها أنت ولا قومك " أي كانوا غير عارفين بأمر الطوفان ، والمجوس الآن ينكرونه . " من قبل هذا " خبر أي مجهولة عندك وعند قومك . " فاصبر " على مشاق الرسالة وإذاية القوم كما صبر نوح{[8723]} . وقيل : أراد جهلهم بقصة ابن نوح وإن سمعوا أمر الطوفان [ فإنه ]{[8724]} على الجملة . " فاصبر " أي اصبر يا محمد على القيام بأمر الله وتبليغ رسالته ، وما تلقى من أذى العرب الكفار ، كما صبر نوح على أذى{[8725]} قومه . " إن العاقبة " في الدنيا بالظفر ، وفي الآخرة بالفوز . " للمتقين " عن الشرك والمعاصي .
ولما تمت هذه القصة على النحو الوافي ببيان اجتهاد نوح عليه السلام في إبلاغ الإنذار من غير مراعاة إقبال ولا إدبار ، وكانت مع ذلك دالة{[39421]} على علم تام واطلاع على دقائق لا سبيل إليها إلا من جهة الملك العلام ، فهي على إزالة اللبس عن أمره صلى الله عليه وسلم أوضح من الشمس ، قال تعالى منبهاً على ذلك : { تلك } أي هذه الأنباء البديعة الشأن الغريبة {[39422]}الأمر البعيدة{[39423]} عن طوق المعارض ، العلية الرتب عن يد المتناول { من أنباء الغيب } أي أخباره العظيمة ، ثم أشار إلى أنه لا يزال يجدد له أمثالها بالمضارع في قوله : { نوحيها إليك } فكأنه قيل : إن بعض أهل الكتاب يعلم بعض تفاصيلها ، فأشار إلى أن{[39424]} ذلك مجموعة غيب وبما يعلمونه غيب نسبي{[39425]} بقوله : { ما كنت تعلمها } أي على هذا التفصيل { أنت } ولما كان خفاءها عن قومه دليلاً على خفائها عنه لأنه لم يخالط غيرهم قال : { ولا قومك } أي وإن كانوا أهل قوة في القيام على ما يحاولونه{[39426]} {[39427]}وعدداً كثيراً{[39428]} ، ومنهم من يكتب ويخالط العلماء .
ولما كان زمان {[39429]}خفاء ذلك عنهم - وإن{[39430]} كان عاماً لهم - بعض الزمان الماضي ، أدخل الجار فقال : { من قبل هذا } أي من إيحائي{[39431]} إليك حتى يطرق{[39432]} الوهم حينئذ أنك تعلمتها من أحد منهم وإن كان يعلم كثيراً منها أهل الكتاب كما رأيت عن نص التوراة فبان أن لا غرض لقومك إلا العناد { فاصبر } على ذلك ولا تفتر عن الإنذار فستكون لك العاقبة كما كانت لنوح لأجل تقواه { إن العاقبة } أي آخر الأمر من{[39433]} الفوز والنصر والسعادة { للمتقين* } أي العريقين في مخافة الله في كل زمن ، وقد تضمنت القصة البيان عما يوجبه حال أهل الخير والإيمان وأهل الشر والطغيان من الاعتبار بالنبأ عن الفريقين ليجتبي حال{[39434]} هؤلاء ويتقي حال أولئك لسوء العاقبة في الدنيا والآخرة .
قوله تعالى : { تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين } { تلك } في موضع رفع مبتدأ . وخبره : { من أنباء الغيب } . و { نوحيها } : خبر بعد خبر . ويجوز أن يكون في موضع نصب على الحال{[2105]} .
يبين الله لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم أن ما أخبره به عن قصة نوح وقومه الظالمين الجاحدين وما حاق بهم من عذاب الطوفان المغرق ، كل ذلك من أخبار الغيب التي لم يشهدها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما كان ليعلمها هو ولا غيره من الناس لولا أن الله أوحي له بخبرها فعلمها .
وذلك من جملة الأدلة البلجة على صدق رسالته صلى الله عليه وسلم ؛ فهو العربي الأمي الذي ما عرف القراءة ولا الكتابة ، وما تلقى العلم عن أحد ، ولا درس التاريخ ولا غيره من العلوم . بل كان أميا ينتمي إلى أمة أمية غير قارئة ولا كاتبة . فمن أين له أن يقف على مثل هذه الأنباء القديمة لولا الوحي الذي يأتيه من السماء فيوقفه على أنباء الأولين ؟
قوله : { فاصبر إن العاقبة للمتقين } أي اصبر على أمر الله بتبليغ رسالته للناس ، واحتمل ما يصيبك من ظلم قومك وإيذائهم كما صبر نوح من قبلك ؛ إذ مكث فيهم صابرا محتملا ألف سنة إلا خمسين عاما وهم يذيقونه ألوان العذاب والتنكيل فما استيأس ولا تردد . { إن العاقبة للمتقين } لسوف تكون العاقبة الخيرة المحمودة بالظفر والغلبة وحسن الثناء للذين يتقون ربهم في هذه الدنيا ، ثم يصيرون إلى الفوز بالنعيم والنجاة من العذاب الأليم في الآخرة{[2106]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.