الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمۡ لَنُخۡرِجَنَّكُم مِّنۡ أَرۡضِنَآ أَوۡ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَاۖ فَأَوۡحَىٰٓ إِلَيۡهِمۡ رَبُّهُمۡ لَنُهۡلِكَنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (13)

قوله تعالى : " وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا " اللام لام قسم ، أي والله لنخرجنكم . " أو لتعودن " أي حتى تعودوا أو إلا أن تعودوا ، قاله الطبري وغيره . قال ابن العربي : وهو غير مفتقر إلى هذا التقدير ، فإن " أو " على بابها من التخيير ، خير الكفار الرسل بين أن يعودوا في ملتهم أو يخرجوهم من أرضهم ، وهذه سيرة الله تعالى في رسله وعباده ، ألا ترى إلى قوله : " وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا . سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا{[9463]} " [ الإسراء : 76 - 77 ] وقد تقدم هذا المعنى في " الأعراف{[9464]} " وغيرها . " في ملتنا " أي إلى ديننا ، " فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ، ولنسكننكم الأرض من بعدهم "

قوله تعالى : " ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد " أي مقامه بين يدي يوم القيامة ، فأضيف المصدر إلى الفاعل . والمقام مصدر كالقيام ، يقال : قام قياما ومقاما ، وأضاف ذلك إليه لاختصاصه به . والمقام بفتح الميم مكان الإمامة ، وبالضم فعل الإقامة ، و " ذلك لمن خاف مقامي " أي قيامي عليه ، ومراقبتي له ، قال الله تعالى : " أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت{[9465]} " . [ الرعد 33 ] وقال الأخفش : " ذلك لمن خاف مقامي " أي عذابي ، " وخاف وعيد " أي القرآن وزواجره . وقيل : إنه العذاب . والوعيد الاسم من الوعد .


[9463]:راجع ج 10 ص 301 فما بعد.
[9464]:راجع ج 7 ص 350.
[9465]:راجع ص 322 من هذا الجزء.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمۡ لَنُخۡرِجَنَّكُم مِّنۡ أَرۡضِنَآ أَوۡ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَاۖ فَأَوۡحَىٰٓ إِلَيۡهِمۡ رَبُّهُمۡ لَنُهۡلِكَنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (13)

ولما انقضت هذه المحاورة{[44788]} وقد علم منها كل منصف{[44789]} ما عليه الرسل من الحلم والعلم والحكمة ، وما عليه مخالفهم من الضلال والجهل والعناد ، وكان في الكلام ما ربما أشعر بانقضائه ، ابتدأ تعالى عنهم محاورة أخرى ، عاطفاً لها على ما مضى ، فقال : { وقال الذين كفروا لرسلهم } مستهينين بمن{[44790]} قصروا التجاءهم عليه ، مؤكدين لاستشعارهم بإنكار من رأى مدافعة الله{[44791]} عن أوليائه لقولهم{[44792]} : والذي يحلف به{[44793]} ! ليكونن أحد الأمرين : { لنخرجنكم من أرضنا } أي التي لنا الآن الغلبة عليها { أو لتعودن في ملتنا } بأن تكفوا{[44794]} عن معارضتنا كما كنتم قبل دعوى الرسالة ، فإطلاق ملتهم على السكوت عنهم من إطلاق اسم الكل على الجزء على زعمهم مثل

{ جعلوا{[44795]} أصابعهم في آذانهم }[ نوح :7 ] وهو مجاز مرسل ، فصبروا على ذلك كما أخبروا به توكلاً على ربهم واستمروا على نصيحتهم لهم بدعائهم إلى الله { فأوحى إليهم } أي كلمهم في خفاء بسبب توعد أممهم لهم ، مختصاً لهم بذلك { ربهم } المحسن إليهم الذي توكلوا عليه{[44796]} ، تسكيناً لقلوبهم وتسلية لنفوسهم ، وأكد لما - لمن{[44797]} ينظر كثرة الكفار وقوتهم - من التوقف في مضمون الخبر ولا سيما إن كان كافراً ، قائلاً : { لنهلكن } بما لنا من العظمة المقتضية{[44798]} لنفوذ{[44799]} الأمر ؛ والإهلاك : إذهاب الشيء إلى حيث لا يقع عليه الإحساس { الظالمين * } أي العريقين{[44800]} في الظلم{[44801]} ، وربما تبنا{[44802]} على بعض من أخبرنا عنه بأنه كفر ، وهو من{[44803]} لم يكن عريقاً{[44804]} في كفره الذي هو أظلم الظلم


[44788]:من م، وفي الأصل و ظ ومد: المجاورة.
[44789]:من م، وفي الأصل و ظ ومد: متصف.
[44790]:في ظ: بما.
[44791]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: بالله.
[44792]:في ظ: لقوله.
[44793]:سقط من ظ.
[44794]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: تكفا.
[44795]:تكرر في الأصل فقط؛ وراجع سورة 71 آية 7.
[44796]:في ظ: علينا.
[44797]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: لم.
[44798]:في ظ: المستقرة.
[44799]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: لتعود.
[44800]:في ظ ومد: الغريقين.
[44801]:العبارة من هنا إلى " أظلم الظلم" ساقطة من م.
[44802]:من مد، وفي الأصل: ثبتا، وفي ظ: تبين.
[44803]:زيد من ظ ومد.
[44804]:في ظ ومد: غريقا.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمۡ لَنُخۡرِجَنَّكُم مِّنۡ أَرۡضِنَآ أَوۡ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَاۖ فَأَوۡحَىٰٓ إِلَيۡهِمۡ رَبُّهُمۡ لَنُهۡلِكَنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (13)

قوله تعالى : { وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ( 13 ) ولنسكننكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد ( 14 ) } قال الكافرون الظالمون للنبيين الذين أرسلوا إليهم حين دعوهم إلى توحيد الله وإفراده بالألوهية والعبادة ومجانبة الشرك والأصنام : ( لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا ) اللام لام القسم ؛ أي والله لنطردنكم من بلادنا إلا أن تعودوا في ديننا وملتنا ، ملة الوثنية والشرك وعبادة الأصنام .

قوله : ( فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ) قال الله للرسل : ( لنهلكن الظالمين ) الذين ظلموا أنفسهم بالتكذيب والصد عن دين الله ، فاستحقوا من الله العقاب والتدمير .