الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَقَالَ ٱلَّذِي نَجَا مِنۡهُمَا وَٱدَّكَرَ بَعۡدَ أُمَّةٍ أَنَا۠ أُنَبِّئُكُم بِتَأۡوِيلِهِۦ فَأَرۡسِلُونِ} (45)

قوله تعالى : " وقال الذي نجا منهما " يعني ساقي الملك . " وادكر بعد أمة " أي بعد حين ، عن ابن عباس وغيره ، ومنه " إلى أمة معدودة{[9138]} " [ هود : 8 ] وأصله الجملة من الحين . وقال ابن درستويه{[9139]} : والأمة لا تكون الحين إلا على حذف مضاف ، وإقامة المضاف إليه مقامه ، كأنه قال - والله أعلم - : وادكر بعد حين أمة ، أو بعد زمن أمة ، وما أشبه ذلك ، والأمة الجماعة الكثيرة من الناس . قال الأخفش : هو في اللفظ واحد ، وفي المعنى جمع ، وكل جنس من الحيوان أمة ، وفي الحديث : ( لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها ) . " وادكر " أي تذكر حاجة يوسف ، وهو قوله : " اذكرني عند ربك " . وقرأ ابن عباس فيما روى عفان عن همام عن قتادة عن عكرمة عنه - " وادكر بعه أمة " . النحاس : المعروف من قراءة ابن عباس وعكرمة والضحاك " وادكر بعد أمه " بفتح الهمزة وتخفيف الميم ، أي بعد نسيان ، قال الشاعر :

أَمِهْتُ وكنتُ لا أنسى حَدِيثًا*** كذاكَ الدَّهْرُ يُودِي بالعُقُولِ

وعن شبيل بن عزرة الضبعي : " بعد أمه " بفتح الألف وإسكان الميم وهاء خالصة ، وهو مثل الأمه ، وهما لغتان ، ومعناهما النسيان ، ويقال : أمه يأمه أمها إذا نسي ، فعلى هذا " وادكر بعد أمه " ، ذكره النحاس ، ورجل أمه{[9140]} ذاهب العقل . قال الجوهري : وأما ما في حديث الزهري ( أمه ) بمعنى أقر واعترف فهي لغة غير مشهورة . وقرأ الأشهب العقيلي - " بعد إمة " أي بعد نعمة ، أي بعد أن أنعم الله عليه بالنجاة . ثم قيل : نسي الفتى يوسف لقضاء الله تعالى في بقائه في السجن مدة . وقيل : ما نسي ، ولكنه خاف أن يذكر الملك الذنب الذي بسببه حبس هو والخباز ، فقوله : " وادكر " أي ذكر وأخبر . قال النحاس : أصل ادكر اذتكر ، والذال قريبة المخرج من التاء ، ولم يجز إدغامها فيها ؛ لأن الذال مجهورة ، والتاء مهموسة ، فلو أدغموا ذهب الجهر ، فأبدلوا من موضع التاء حرفا مجهورا وهو الدال ، وكان أولى من الطاء لأن الطاء مطبقة ، فصار اذدكر ، فأدغموا الذال في الدال لرخاوة الدال ولينها . ثم قال : " أنا أنبئكم بتأويله " أي أنا أخبركم . وقرأ الحسن " أنا آتيكم بتأويله " وقال : كيف ينبئهم العِلج{[9141]} ؟ ! قال النحاس : ومعنى " أنبئكم " صحيح حسن ، أي أنا أخبركم إذا سألت . " فأرسلوني " خاطب الملك ولكن بلفظ التعظيم ، أو خاطب الملك وأهل مجلسه .


[9138]:راجع ص 9 من هذا الجزء.
[9139]:هو عبد الله بن جعفر بن درستويه (بضم الدال والراء) وضبطه ابن ماكولا (بفتحهما).
[9140]:في ع: أمه ووامه، ذاهب العقل. والذي في اللسان: أمه الرجل فهو مأموه وهو الذي ليس عقله معه.
[9141]:العلج: الكافر من العجم.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَقَالَ ٱلَّذِي نَجَا مِنۡهُمَا وَٱدَّكَرَ بَعۡدَ أُمَّةٍ أَنَا۠ أُنَبِّئُكُم بِتَأۡوِيلِهِۦ فَأَرۡسِلُونِ} (45)

ولما كان هذا{[41604]} حالاً مذكراً{[41605]} للساقي بيوسف عليه الصلاة والسلام - أخبر سبحانه بأنه ذكره بعد نسيانه ، فقال عادلاً عن الفاء إيذاناً بأنه من الملا : { وقال الذي نجا } أي خلص من الهلاك { منهما } أي من صاحبي السجن ، وهو الساقي { و } الحال أنه { ادكر } - بالمهملة ، أي طلب الذكر - بالمعجمة ، وزنه افتعل{[41606]} { بعد أمة } من الأزمان ، {[41607]} أي أزمان{[41608]} مجتمعة{[41609]} طويلة{[41610]} { أنا أنبئكم } أي أخبركم إخباراً عظيماً { بتأويله } أي بتفسير{[41611]} ما يؤول إليه معنى{[41612]} هذا الحلم{[41613]} وحده كما هو الحق ، وسبب عن كلامه قوله : { فأرسلون * } أي{[41614]} إلى يوسف عليه الصلاة والسلام فإنه أعلم الناس ، فأرسلوه إليه ؛


[41604]:في ظ: حال مذكر، وفي م: حالا مذكر- كذا.
[41605]:في ظ: حال مذكر، وفي م: حالا مذكر- كذا.
[41606]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: افعل.
[41607]:تكرر ما بين الرقمين في الأصل و ظ.
[41608]:تكرر ما بين الرقمين في الأصل و ظ.
[41609]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: مجمعة.
[41610]:وفي لباب التأويل 3/234: بعد أمة يعني بعد حين، وهو سبع سنين، وسمي الحين من الزمان أمة لأنه جماعة الأيام، والأمة: الجماعة.
[41611]:في ظ: بتستر.
[41612]:في مد: معناه- كذا.
[41613]:من ظ و م ، وفي الأصل ومد: الحكم.
[41614]:سقط من م.