قوله تعالى : " قالوا أئنك لأنت يوسف " لما دخلوا عليه فقالوا : " مسنا وأهلنا الضر " فخضعوا له وتواضعوا رق لهم ، وعرقهم بنفسه ، فقال : " هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه " فتنبهوا فقالوا : " أئنك لأنت يوسف " قاله ابن إسحاق . وقيل : إن يوسف تبسم فشبهوه بيوسف واستفهموا . قال ابن عباس لما قال لهم : " هل علمتم ما فعلتم بيوسف " الآية ، ثم تبسم يوسف - وكان إذا تبسم كأن ثناياه اللؤلؤ المنظوم - فشبهوه بيوسف ، فقالوا له على جهة الاستفهام : " أئنك لأنت يوسف " . وعن ابن عباس أيضا : أن إخوته لم يعرفوه حتى وضع التاج عنه ، وكان في قرنه علامة ، وكان ليعقوب مثلها شبهَ الشامة ، فلما قال لهم : " هل علمتم ما فعلتم بيوسف " رفع التاج عنه فعرفوه ، فقالوا : " أئنك لأنت يوسف " . وقال ابن عباس : كتب يعقوب إليه يطلب رد ابنه ، وفي الكتاب : من يعقوب صفي الله ابن إسحاق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله إلى عزيز مصر - أما بعد - فإنا أهل بيت بلاء ومحن ، ابتلى الله جدي إبراهيم بنمروذ وناره ، ثم ابتلى أبي إسحاق بالذبح ، ثم ابتلاني بولد كان لي أحب أولادي إلي حتى كف بصري من البكاء ، وإني لم أسرق ولم ألد سارقا والسلام . فلما قرأ يوسف الكتاب ارتعدت مفاصله ، واقشعر جلده ، وأرخى عينيه بالبكاء ، وعِيلَ صبره فباح بالسر . وقرأ ابن كثير " إنك " على الخبر ، ويجوز أن تكون هذه القراءة استفهاما كقوله : " وتلك نعمة{[9263]} " [ الشعراء : 22 ] . " قال أنا يوسف " أي أنا المظلوم والمراد قتله ، ولم يقل أنا هو تعظيما للقصة . " قد من الله علينا " أي بالنجاة والملك . " إنه من يتق ويصبر " أي يتق الله ويصبر على المصائب ، وعن المعاصي . " فإن الله لا يضيع أجر المحسنين " أي الصابرين في بلائه ، القائمين بطاعته . وقرأ ابن كثير : " إنه من يتقي " بإثبات الياء ، والقراءة بها جائزة على أن تجعل " من " بمعنى الذي ، وتدخل " يتقي " في الصلة ، فتثبت الياء لا غير ، وترفع " ويصبر " . وقد يجوز أن تجزم " ويصير " على أن تجعل " يتقي " في موضع جزم و " من " للشرط ، وتثبت الياء ، وتجعل علامة الجزم حذف الضمة التي كانت في الياء على الأصل ، كما قال :
ثم نادِي إذا دخلتَ دمشقَا *** يا يزيدُ بنَ خالدِ بنِ يزيد
ألم يأتيك والأنباءُ تنمي *** بما لاقت لَبُونُ بني زيادِ
وقراءة الجماعة ظاهرة ، والهاء في " إنه " كناية عن الحديث ، والجملة الخبر .
فكأنه قيل : إنه قد قرب لهم الكشف عن أمره ، لأنه لا يستفهم ملك مثله{[42646]} - لم ينشأ بينهم ولا تتبع أحوالهم وليس منهم - هذا الاستفهام ولا سيما وقد روى أنه لما قال هذا تبسم ، وكان في تبسمه أمر من الحسن لا يجهله معه من رآه ولو مرة واحدة ، فهل عرفوه ؟ فقيل : ظنوه ظناً غالباً ، ولذلك { قالوا } مستفهمين { أإنك } وأكدوا بقولهم : { لأنت يوسف } .
ولما كان المتوقع من مثله فيما هو فيه من العظمة أن يجازيهم على سوء صنيعهم إليه ، استأنف بيان كرمه فقال : { قال أنا يوسف } وزادهم قوله : { وهذا أخي } أي بنيامين شقيقي{[42647]} لذكره لهم{[42648]} في قوله { وأخيه } وليزيدهم{[42649]} ذلك معرفة له ، وثبتها في أمره بتصديقه له مع مكثه عنده مدة ذهابهم وإيابهم ، و{[42650]} ليبني عليه{[42651]}
قوله : { قد منَّ الله } أي الذي له الجلال والإكرام { علينا } بأن جمع بيننا على خير{[42652]} حال تكون ؛ ثم تعليله{[42653]} بقوله : { إنه من يتق }{[42654]} وهو مجزوم لأنه فعل الشرط ، وأثبت{[42655]} قنبل{[42656]} - بخلافه{[42657]} عنه - ياءه في الحالين معاملاً{[42658]} له معاملة الصحيح إشارة إلى وصف التقوى بالصحة الكاملة والمكنة الزائدة والملازمة لها في كل حال { ويصبر } أي يوفه{[42659]} الله أجره لإحسانه { فإن الله } أي{[42660]} الذي له الإحاطة بأوصاف الكمال { لا يضيع } أي أدنى إضاعة - أجره ، هكذا كان الأصل ، ولكنه عبر بما يعرف أن التقوى والصبر من الإحسان ، فقال : { أجر المحسنين } والتقوى : دفع البلاء بسلوك طريق الهدى ؛ والصبر{[42661]} : حبس النفس بتجرع مرارة المنع عما يشتهي ، ولعله إنما ستر أمره عنهم إلى هذا الحد لأنه لو أرسل إلى أبيه يخبره قبل{[42662]} الملك لم يأمن كيد إخوته ، ولو تعرف إليهم بعده{[42663]} أو{[42664]} أول ما رآهم لم يأمن من أن تقطع{[42665]} أفئدتهم عند مفاجأتهم بانكشاف الأمر وهو فيما هو فيه{[42666]} من العز ، فإنهم{[42667]} فعلوا به فعل القاتل من غير ذنب قدمه إليهم ، فهم لا يشكون في أنه إذا قدر عليهم يهلكهم لما تقدم لهم{[42668]} إليه من سوء الصنيعة ، وعلى تقدير{[42669]} سلامتهم لا يأمنونه{[42670]} وإن بالغ في إكرامهم ، فإن الأمور العظام - إن لم تكن بالتدريج - عظم خطرها ، وتعدى ضررها ، فإن أرسلهم{[42671]} ليأتوا بأبيهم خيف أن يختلوا{[42672]} أباهم من ملك مصر ويحسنوا له الإبعاد عن بلاده ، فيذهبوا إلى حيث لا يعلمه ، وإن أرسل معهم ثقات من عنده لم يؤمن أن يكون بينهم شر ، وإن سجنهم وأرسل إلى أبيه من يأتي به لم يحسن موقع ذلك من أبيه ، ويحصل له وحشة بحبس أولاده ، وتعظم القاله{[42673]} بين الناس من أهل مصر وغيرهم في ذلك ، ففعل معهم ما تقدم ليظهر لهم إحسانه وعدله ودينه وخيره ، وكفه عنهم وعفوه عن فعلهم بالتدريج ، ويقفوا على ذلك منه قولاً وفعلاً من أخيه الذي ربى معهم وهم به آنسون وله ألفون ، فتسكن روعتهم ، وتهون زلتهم ، ومما يدل على ذلك أنه لما انتفى عن أخيه بنيامين ما اتصفوا به مما ذكر ، تعرف إليه حين قدم عليه ونهاه أن يخبرهم بحقيقة الأمر ، وشرع يمد في ذلك لتستحكم الأسباب التي أرادها ، فلما ظن أن الأمر قد بلغ مداه ، لوح لهم فعرفوه وقد أنسهم حسن عقله وبديع جماله وشكله ورائع قوله وفعله ، فكان موضع الوجل الخجل ، وموضع اليأس{[42674]} الرجاء ، فحصل المراد على وفق السداد - والله الموفق ؛ وذلك تنبيه لمن قيل لهم{[42675]} أول السورة لعلكم تعقلون }[ يوسف :2 ] على الاقتداء بأفعال الهداة المهديين في التأني والاتئاد{[42676]} وتفويض الأمور إلى الحكيم ، وأن لا يستعجلوه في أمر ، وأن يعلموا أن سنته الإلهية جرت{[42677]} بأن الأمور الصعاب{[42678]} لا تنفذ إلا بالمطاولة لترتب الأسباب شيئاً فشيئاً على وجه الإحكام ، وفي ذلك فوائد من أجلها امتحان أولى الطاعة والعصيان - كما ستأتي الإشارة إليه آخر السورة بقوله ؛{ حتى إذا استيئس الرسل }[ يوسف :110 ] الآية والله أعلم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.