الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{إِنَّكُمۡ لَتَأۡتُونَ ٱلرِّجَالَ شَهۡوَةٗ مِّن دُونِ ٱلنِّسَآءِۚ بَلۡ أَنتُمۡ قَوۡمٞ مُّسۡرِفُونَ} (81)

قوله تعالى : " إنكم " قرأ نافع وحفص على الخبر بهمزة واحدة مكسورة ، تفسيرا للفاحشة المذكورة ، فلم يحسن إدخال الاستفهام عليه لأنه يقطع ما بعده مما قبله . وقرأ الباقون بهمزتين على لفظ الاستفهام الذي معناه التوبيخ ، وحسن ذلك لأن ما قبله وبعده{[7246]} كلام مستقل . واختار الأول أبو عبيد والنسائي وغيرهما ، واحتجوا بقوله عز وجل : " أفإن مت فهم الخالدون{[7247]} " [ الأنبياء : 34 ] ولم يقل أفهم . وقال : " أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم{[7248]} " [ آل عمران : 144 ] ولم يقل انقلبتم . وهذا من أقبح الغلط لأنهما شبها شيئين بما لا يشتبهان ؛ لأن الشرط وجوابه بمنزلة شيء واحد كالمبتدأ والخبر ، فلا يجوز أن يكون فيهما استفهامان . فلا يجوز : أفإن مت أفهم ، كما لا يجوز أزيد أمنطلق . وقصة لوط عليه السلام فيها جملتان ، فلك أن تستفهم عن كل واحدة منهما . هذا قول الخليل وسيبويه ، واختاره النحاس ومكي وغيرهما " شهوة " نصب على المصدر ، أي تشتهونهم شهوة . ويجوز أن يكون مصدرا في موضع الحال . " بل أنتم قوم مسرفون " نظيرة " بل أنتم قوم عادون{[7249]} " [ الشعراء : 166 ] في جمعكم إلى الشرك هذه الفاحشة .


[7246]:كذا في الأصول والعبارة غير واضحة.
[7247]:.راجع ج 11 ص 287
[7248]:راجع ج 4 ص 226
[7249]:راجع ج 13 ص 132
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{إِنَّكُمۡ لَتَأۡتُونَ ٱلرِّجَالَ شَهۡوَةٗ مِّن دُونِ ٱلنِّسَآءِۚ بَلۡ أَنتُمۡ قَوۡمٞ مُّسۡرِفُونَ} (81)

ولما أبهم الفاحشة ليحصل التشوف إلى معرفتها ، عينها في استفهام آخر كالأول في إنكاره وتوبيخه ليكون أدل على تناهي الزجر عنها فقال : { إنكم{[32658]} لتأتون الرجال } أي تغشونهم غشيان النساء ؛ ولما أبقى للتشوف مجالاً ، عين بقوله : { شهوة } أي مشتهين ، أو لأجل الشهوة ، لا حامل لكم على ذلك إلا الشهوة كالبهائم التي لا داعي لها من جهة العقل{[32659]} ، وصرح بقوله : { من دون النساء } فلما لم يدع لبساً ، وكان هذا ربما أوهم إقامة عذر لهم في عدم وجدان النساء أو عدم كفايتهن لهم ، أضرب عنه بقوله : { بل أنتم قوم } .

ولما كان مقصود هذه السورة الإنذار كان الأليق به الإسراف الذي هو غاية الجهل المذكور في سورة النمل فقال{[32660]} { مسرفون* } أي لم يحملكم على ذلك ضرورة لشهوة تدعونها ، بل اعتياد المجاوزة للحدود ، ولم يسم قوم لوط{[32661]} في سورة من السور كما سميت عاد وثمود وغيرهم صوناً للكلام عن تسميتهم ، وأما قوم نوح{[32662]} فإنما{[32663]} لم يسموا لعدم تفرق القبائل إذ ذاك ، فكانوا لذلك جميع أهل الأرض ولذا عمهم الغرق - والله أعلم .


[32658]:- سقط من ظ.
[32659]:- زيد لاستقامة العبارة.
[32660]:- سقط ما بين الرقمين من ظ.
[32661]:- من ظ، وفي الأصل: فإنه.
[32662]:- سقط من ظ.
[32663]:- من ظ، وفي الأصل: أنهم.