الأولى - قوله تعالى : " يا أيها النبي جاهد الكفار " الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وتدخل فيه أمته من بعده . قيل : المراد جاهد بالمؤمنين الكفار . وقال ابن عباس : أمر بالجهاد مع الكفار بالسيف ، ومع المنافقين باللسان وشدة الزجر والتغليظ . وروي عن ابن مسعود أنه قال : جاهد المنافقين بيدك ، فإن لم تستطع فبلسانك ، فإن لم تستطع فاكفهر{[8158]} في وجوههم . وقال الحسن : جاهد المنافقين بإقامة الحدود عليهم وباللسان - واختار قتادة - وكانوا أكثر من يصيب الحدود . ابن العربي : أما إقامة الحجة باللسان فكانت دائمة وأما بالحدود ؛ لأن أكثر إصابة الحدود كانت عندهم فدعوى لا برهان عليها وليس العاصي بمنافق إنما المنافق بما يكون في قلبه من النفاق كامنا لا بما تتلبس به الجوارح ظاهرا وأخبار المحدودين يشهد سياقها أنهم لم يكونوا منافقين .
الثانية - قوله تعالى : " واغلظ عليهم " الغلظ : نقيض الرأفة ، وهي شدة القلب على إحلال الأمر بصاحبه . وليس ذلك في اللسان ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحد ولا يثرب{[8159]} عليها ) . ومنه قوله تعالى : " ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك{[8160]} " [ آل عمران : 159 ] . ومنه قول النسوة لعمر : أنت أفظ وأغلظ من رسول الله صلى الله عليه وسلم{[8161]} ومعنى الغلظ خشونة الجانب . فهي ضد قوله تعالى : " واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين{[8162]} " [ الشعراء : 215 ] . " واخفض لهما جناح الذل من الرحمة{[8163]} " [ الإسراء : 24 ] . وهذه الآية نسخت كل شيء من العفو والصلح والصفح .
ولما ثبتت موالاة المؤمنين ومقاطعتهم للمنافقين والكافرين ، وكان ما مضى من الترغيب والترهيب كافياً في الإنابة ، وكان من لم يرجع بذلك عظيم الطغيان غريقاً في الكفران ، أتبع ذلك الأمر بجهادهم بما يليق بعنادهم فقال آمراً لأعظم المتصفين بالأوصاف المذكورة مفخماً لمقداره بأجل أفراد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر : { يا أيها النبي } أي العالي المقدار بما لا يزال يتجدد له منا من الأنباء وفينا من المعارف ؛ ولما كان الجهاد أعرف في المصارحين ، وكانوا أولى به لشدة شكائمهم وقوة نفوسهم وعزائمهم بدأ بهم فقال ؛ { جاهد الكفار } أي المجاهرين { والمنافقين } أي المسائرين كلاًّ بما يليق به من السيف واللسان .
ولما كان صلى الله عليه وسلم مطبوعاً على الرفق موصى به ، قال تعالى : { واغلظ عليهم } أي في الجهادين{[36872]} ولا تعاملهم بمثل ما عاملتهم به من اللين عند استئذانهم في القعود ، وهذا بخلاف ما مضى في وعيد المنافقين حيث قدمهم{[36873]} فقال { المنافقين والمنافقات والكفار } فقدم في كل سياق الأليق به ؛ ولما كان المعنى : فإنك ظاهر عليهم وقاهر لهم وهم طعام السيف وطوع العصا ، عطف عليه قوله : { ومأواهم } أي في الآخرة { جهنم وبئس المصير* } .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.