لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{وَقَالَ ٱلَّذِي نَجَا مِنۡهُمَا وَٱدَّكَرَ بَعۡدَ أُمَّةٍ أَنَا۠ أُنَبِّئُكُم بِتَأۡوِيلِهِۦ فَأَرۡسِلُونِ} (45)

لمَّا كان المعلوم لله والمحكومُ أن يوسفَ عليه السلام يكون في ذلك الوقت هو مَنْ يُعَبِّر الرؤيا قَبَضَ القلوبَ حتى خَفِيَ عليها تعبيرُ تلك الرؤيا ، ولم يحصل للمَلِكِ ثَلَجُ الصَّدْرِ إلا بتعبير يوسف ، ليُعْلَم أنَّ اللَّهَ - سبحانه - إذا أراد أمراً سَهلَّ أسبابَه .

ويقال : إن الله تعالى أفْرَد يوسف عليه السلام من بين أشكاله بشيئين : بحُسْن الخِلْقة وبزيادة العلم ؛ فكان جمالُه سببَ بلائه ، وصار علمُه سببَ نجاته ، لتُعْلَمَ مزيَّةُ العلمِ على غيره ، لهذا قيل : العلم يُعْطِي وإن كان يُبْطِي .

ويقال إذا كان العلم بالرؤيا يوجب الدنيا فالعلمُ بالمولى أَوْلَى أن يوجِبَ العقبى ، قال تعالى : { وَإذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكَاً كَبِيرَاً } [ الإنسان :20 ] .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَقَالَ ٱلَّذِي نَجَا مِنۡهُمَا وَٱدَّكَرَ بَعۡدَ أُمَّةٍ أَنَا۠ أُنَبِّئُكُم بِتَأۡوِيلِهِۦ فَأَرۡسِلُونِ} (45)

{ وَقَالَ الَّذي نَجَا منْهُمَا } أي صاحبي يوسف عليه السلام وهو الشرابي { وَادَّكَرَ } بالدال غير المعجمة عند الجمهور ، وأصله اذتكر أبدلت التاء دالاً وأدغمت الدال فيها . وقرأ الحسن غ- اذكر - بإبدال التاء ذالاً معجمة وإدغام الذال المعجمة فيها ، والقراءة الأولى أفصح ، والمعنى على كليهما تذكر ما سبق له مع يوسف عليه السلام { بَعْدَ أُمَّة } أي طائفة من الزمان ومدة طويلة . وقرأ الأشهب العقيلي { إمة } بكسر الهمزة وتشديد الميم أي نعمة عليه بعد نعمة ، والمراد بذلك خلاصه من القتل والسجن وإنعام ملكه عليه ، وعلى هذا جاء قوله( {[386]} ) :

ألا لا أرى ذا ( إمة ) أصبحت به *** فتتركه الأيام وهي كما هي

وقال ابن عطية ( ( المراد بعد نعمة أنعم الله تعالى بها على يوسف عليه السلام وهي تقريب إطلاقه ) ) ولا يخفى بعده . وقرأ ابن عباس وزيد بن علي رضي الله تعالى عنهم - وأمة( {[387]} ) - وأمه بفتح الهمزة والميم المخففة وهاء منونة من أمه يأمه أمهاً إذا نسي ، وجاء في المصدر - أمه - بسكون الميم أيضاً فقد روي عن مجاهد وعكرمة وشبيل بن عزرة الضبعي أنهم قرأوا بذلك ولا عبرة بمن أنكر . والجملة اعتراض بين القول والمقول ، وجوز أن تكون حالاً من الموصول أو من ضميره في الصلة ، ويحتاج ذلك إلى تقدير قد على المشهور ، وقيل : معطوفة على ( نجا ) وليس بشيء - كما قال بعض المحققين - لأن حق كل من الصلة والصفة أن تكون معلومة الانتساب إلى الموصول والموصوف عند المخاطب كما عند المتكلم ، ومن هنا قيل : الأوصاف قبل العلم بها أخبار والأخبار بعد العلم بها أوصاف ، وأنت تعلم أن تذكره بعد أمة إنما علم بهذه الجملة فلا معنى لنظمه مع نجاته المعلومة من قبل في سلك الصلة .

{ أَنا أُنَبِّئُكُم بتَأْويله } أي أخبركم بتأويل ذلك الذي خفي أمره بالتلقي ممن عنده علمه لا من تلقاء نفسي ولذلك لم يقل أفتيكم في ذلك ، وعقبه بقوله : { فَأَرْسلُون } إلى من عنده علمه ، وأراد به يوسف عليه السلام وإنما لم يصرح به حرصاً على أن يكون هو المرسل إليه فإنه لو ذكره فلربما أرسلوا غيره وضمير الجمع إما لأنه أراد الملك وحده لكن خاطبه بذلك على سبيل التعظيم كما هو المعروف في خطاب الملوك ، ويؤيده ما روي أنه لما سمع مقالة القوم جثى بين يدي الملك وقال : إن في السجن رجلاً عالماً يعبر الرؤيا فابعثوني إليه فبعثوه وكان السجن - على ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما - في غير مدينة الملك ، وقيل : كان فيها ، قال أبو حيان ( ( ويرسم الناس اليوم سجن يوسف عليه لاسلام في موضع على النيل بينه وبين الفسطاط ثمانية أميال ) ) والله تعالى أعلم بحقيقة الحال . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن أنه كان يقرأ - أنا آتيكم - مضارع أتى من الإتيان فقيل له : إنما هو أنا أنبئكم فقال : أهو كان ينبئهم( {[388]} ) ؟ ! ، وأخرج ابن المنذر وغيره عن أبيّ أنه قرأ أيضاً كذلك . / وفي «البحر » أنه كذا في الإمام أيضاً .


[386]:- وقوله "ثم بعد الفلاح والملك والأمة وارتهم هناك قبور" اهـ منه.
[387]:- أي جماعة من التابعين اهـ منه.
[388]:- لعله لم يرد إلا مجرد ترجيح قراءته فافهم اهـ منه.
 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{وَقَالَ ٱلَّذِي نَجَا مِنۡهُمَا وَٱدَّكَرَ بَعۡدَ أُمَّةٍ أَنَا۠ أُنَبِّئُكُم بِتَأۡوِيلِهِۦ فَأَرۡسِلُونِ} (45)

ثم بين - سبحانه - ما حدث بعد أن عجز الملأ من قوم الملك عن تأويل رؤياه فقال : { وَقَالَ الذي نَجَا مِنْهُمَا } أى : وقال أحد الرجلين اللذين كانا مع يوسف في السجن ثم خرج منه بريئا وهو ساقى الملك .

{ وادكر بَعْدَ أُمَّةٍ } : وتذكر بعد حين طويل من الزمان كيف فسر له يوسف رؤياه تفسيرا صادقا أيام أن كان معه في السجن .

واصل " ادكر " اذتكر بوزن افتعل ، مأخوذ من الذكر - بتشديد الذال وضمها - قلبت تاء الافتعال دالا لثقلها ولتقارب مخرجيهما ، ثم قلبت الذال دالا ليتأتى إدغامها في الدال ، لأنها أخف من الذال .

والأمة : الجماعة التي تؤم وتقصد لأمر ما ، والمراد بها هنا : المدة المتطاولة من الزمان وكان هذا الساقى قد نسى ما أوصاه به يوسف من قوله { اذكرني عِندَ رَبِّكَ } فلما قال الملك ما قاله بشأن رؤياه ، تذكر هاذا الساقى حال يوسف .

قالوا : وكان ذلك بعد سنتين من خروجه من السجن .

وقوله { أَنَاْ أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ } أى : قال الساقى للمك وحاشيته : أنا أخبركم بتأويله : بتفسير رؤيا الملك التي خفى تفسيرها على الملأ من قومه . فأرسلون ، أى : فابعثونى إلى من عنده العلم الصحيح الصادق بتفسيرها .

ولم يذكر لهم اسم المرسل إليه ، وهو يوسف - عليه السلام - لأنه أراد أن يفاجئهم بخبره بعد حصول تأويله للرؤيا ، فيكون ذلك أوقع في قلوبهم ، وأسمى لشأن يوسف - عليه السلام - .

وقال { فَأَرْسِلُونِ } ليشعرهم أن هذا التأويل ليس من عند نفسه ، وإنما هو من عند من سيرسلونه إليه وهو يوسف - عليه السلام .