لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ بِغَيۡرِ مَا ٱكۡتَسَبُواْ فَقَدِ ٱحۡتَمَلُواْ بُهۡتَٰنٗا وَإِثۡمٗا مُّبِينٗا} (58)

يؤْذون اللَّهَ ورسولَه بعمل المعاصي التي يستحقون بها العقوبة ، ويؤذون أولياءَه . ولمَّا قال : { مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ }[ النساء : 80 ] فكذلك مَنْ آذى رسولَه وأنبياءَه عليهم السلام والمؤمنين فقد آذاه ، ومعناه تخصيص حالتهم وإثبات رتبتهم .

ثم ذكر قوله : { وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ . . } ، وذكر عقوبتهم ، فجعل إيذاء الرسول مقرونا بما ذكر من إيذاء الله ، ثم ذكر إيذاء المؤمنين ، ويدلُّ ذلك على أن رتبة المؤمنين دون رتبة الرسول صلى الله عليه وسلم .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ بِغَيۡرِ مَا ٱكۡتَسَبُواْ فَقَدِ ٱحۡتَمَلُواْ بُهۡتَٰنٗا وَإِثۡمٗا مُّبِينٗا} (58)

{ والذين يُؤْذُونَ المؤمنين والمؤمنات } يفعلون بهم ما يتأذون به من قول أو فعل ، وتقييده بقوله تعالى { بِغَيْرِ مَا اكتسبوا } أي بغير جناية يستحقون بها الأذية شرعاً بعد إطلاقه فيما قبله للإيذان بأن أذى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم لا يكون إلا في غير حق وأما أذى هؤلاء فمنه ومنه .

وروي أن عمر رضي الله تعالى عنه قال يوماً لأبي : يا أبا المنذر قرأت البارحة آية من كتاب الله تعالى فوقعت منى كل موقع { والذين يُؤْذُونَ المؤمنين والمؤمنات } والله إني لأعاقبهم وأضربهم فقال : إنك لست منهم إنما أنت معلم ومقوم وقوله تعالى : { الذين } مبتدأ وقوله سبحانه { فَقَدِ احتملوا بهتانا } أي فعلاً شنيعاً وقيل ما هو كالبهتان أي الكذب الذي يبهت الشخص لفظاعته في الاثم ، وقيل احتمل بهتاناً أي كذباً فظيعاً إذا كان الإيذان بالقول { وَإِثْماً مُّبِيناً } أي ظاهر ابينا خبره ، ودخلت الفاء لتضمن الموصول معنى الشرط ، والآية قيل نزلت في منافقين كانوا يؤذون علياً كرم الله تعالى وجهه ويسمعونه ما لا خير فيه .

وأخرج ابن جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال : أنزلت في عبد الله بن أبي وناس معه قذفوا عائشة رضي الله تعالى عنها فخطب النبي صلى الله عليه وسلم وقال : «من يعذرني من رجل يؤذيني ويجمع في بيته من يؤذيني فنزلت »

وأخرج ابن جرير . وابن أبي حاتم عنه رضي الله تعالى عنها انها نزلت في الذين طعنوا على النبي صلى الله عليه وسلم في أخذ صفية بنت حي رضي الله تعالى عنها ، وعن الضحاك . والسدى . والكلبي أنها نزلت في زاناة كانوا يتبعون النساء إذا برزن بالليل لقضاء حوائجهن وكانوا لا يتعرضون إلا للإماء ولكن ربما يقع منهم التعرض للحرائر جهلاً أو تجاهلاً لاتحاد الكل في الزي واللباس ، والظاهر عموم الآية لكل ما ذكر ولكل ما سيأتي من أراجيف المرجفين ، وفيها من الدلالة على حرمة المؤمنين والمؤمنات ما فيها ، وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في هذه الآية قال : يلقي الجرب على أهل النار فيحكون حتى تبدو العظام فيقولون ربنا بماذا أصابنا هذا فيقال : بأذاكم المسلمين ، وأخرج غير واحد عن قتادة قال : إياكم وأذى المؤمن فإن الله تعالى يحوطه ويغضب له .

وأخرج ابن أبي حاتم . وابن مردويه . والبيهقي في شعب الإيمان عن عائشة رضي الله تعالى عنها قال : «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه أي الربا أربى عند الله ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم قال : أربى الربا عند الله استحلال عرض امرئ مسلم ثم قرأ صلى الله عليه وسلم والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا الآية »

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ بِغَيۡرِ مَا ٱكۡتَسَبُواْ فَقَدِ ٱحۡتَمَلُواْ بُهۡتَٰنٗا وَإِثۡمٗا مُّبِينٗا} (58)

وبعد هذا الوعيد الشديد لمن آذى الله ورسوله ، جاء وعيد آخر لمن آذى المؤمنين والمؤمنات ، فقال - تعالى - : { والذين يُؤْذُونَ المؤمنين والمؤمنات بِغَيْرِ مَا اكتسبوا فَقَدِ احتملوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً } .

أى : والذين يرتكبون فى حق المؤمنين والمؤمنات ما يؤذيهم فى أعراضهم أو فى أنفسهم أو فى غير ذلك مما يتعلق بهم ، دون أن يكون المؤمنون أو المؤمنات قد فعلوا ما يوجب أذاهم . .

{ فَقَدِ احتملوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً } أى : فقد ارتكبوا إثما شنيعا ، وفعلا قبيحا ، وذنبا ظاهرا بينا ، بسبب إذائهم للمؤمنين والمؤمنات .

وقال - سبحانه - هنا { بِغَيْرِ مَا اكتسبوا } ولم يقل ذلك فى الآية السابقة عليها ، لأن الناس بطبيعتهم يدفع بعضهم بعضا ، ويعتدى بعضهم على بعض ، ويؤذى بعضهم بعضا ، أما الله - تعالى - ورسوله صلى الله عليه وسلم فلا تصور منهما ذلك .

وجمع - سبحانه - فى ذمهم بين البهتان والاثم المبين ، للدلالة على فظاعة ما ارتكبوه فى حق المؤمنين والمؤمنات ، إذ البهتان هو الكذب الصرحي الذى لا تقبله العقول ، بل يحيرها ويدهشا لشدته وبعده عن الحقيقة .

والإِثم المبين : هو الذنب العظيم الظاهر البين ، الذى لا يخفى قبحه على أحد .

روى ابن أبى حاتم عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه : " " أى الربا أربى عند الله ؟

قالوا : الله ورسوله أعلم . قال : أربى الربا عند الله ، استحلال عرض امرئ مسلم " " ثم قرأ صلى الله عليه وسلم هذه الآية .