لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{لِّنُحۡـِۧيَ بِهِۦ بَلۡدَةٗ مَّيۡتٗا وَنُسۡقِيَهُۥ مِمَّا خَلَقۡنَآ أَنۡعَٰمٗا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرٗا} (49)

يُرْسِلُ رياحَ الكَرَم فتهب على قلوب ذوي الحاجات فتزعجها إلى طلب مبارِّه ، ويرسل رياحَ الولاية فتهب على قلوب الخواص فتطهرها من جميع الإرادات فتُكْفَى بالله لله ، ويرسِلُ رياحَ الخوفِ على قلوبِ العُصَاةِ فتحملهم على النَّدَمِ ، وتطهرها من الإصرار فترجع إلى التوبة ، ويرسل رياح الاشتياق على قلوب الأحباب ، فتزعجها عن المساكنات ، وتطهرها عن كل شيء إلا عن اللواعج فلا يستقِرُّ إلا بالكشف والتجلَّّي .

ويقال إذا تَنَسَّمَ القلبُ نسيمَ القُرْبِ هَامَ في ملكوت الجلال ، وامتحى عن كل مرسوم ومعهود .

قوله جل ذكره : { وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءً طَهُوراً لِّنُحِْىَ بِهِ بَلَدَةً مَّيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَآ أَنْعَاماً وَأَنَاسِىَّ كَثِيراً وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً } .

أنزل من السماء ماء المطرِ فأحيا به الغياضَ والرياضَ ، وأنبت به الأزهار والأنوار ، وأنزل من السماء ماء الرحمةِ فغَسَلَ العصاةُ ما تلطخوا به من الأوضار ، وما تدنَّسوا به من الأوزار .

و { الطَّهُور } هو الطاهرُ المُطَهِّرُ ، وماءُ الحياء يُطِهرُ قلوبَ العارفين عن الجنوح إلى المساكنات وما يتداخلها في بعض الأحيان من الغفلات . وماء الرعاية يُحْيِي به قلوبَ المشتاقين بما يتداركها من أنوار التجلِّي حتى يزول عنها عَطَشُ الاشتياق ويحصل فيها من سكينة الاستقلال ، ويحيي به نفوساً ميتةً باتباع الشهوات فيردها إلى القيام بالعبادات .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{لِّنُحۡـِۧيَ بِهِۦ بَلۡدَةٗ مَّيۡتٗا وَنُسۡقِيَهُۥ مِمَّا خَلَقۡنَآ أَنۡعَٰمٗا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرٗا} (49)

{ لّنُحْيِىَ بِهِ } أي بما أنزلنا من الماء الطهور { بَلْدَةً مَّيْتاً } ليس فيها نبات وذلك بإنبات النبات به ؛ والمراد بالبلدة الأرض كما في قوله :

أنيخت فألقت بلدة فوق بلدة *** قليل بها الأصوات إلا بغامها

وجوز أن يراد بها معناها المعروف وتنكيرها للتنويع ، وتذكير صفتها لأنها بمعنى البلد أو لأن { مَيْتًا } من أمثلة المبالغة التي لا تشبه المضارع في الحركات والسكنات وهو يدل على الثبوت فأجري مجرى الجوامد ، ولام { لّنُحْيِىَ } متعلق بأنزلنا وتعلقه بطهوراً ليس بشيء . وقرأ عيسى . وأبو جعفر { مَيْتًا } بالتشديد ، قال أبو حيان : ورجح الجمهور التخفيف لأنه يماثل فعلاً من المصادر فكما وصف المذكر والمؤنث بالمصدر فكذلك بما أشبهه بخلاف المشدد فإنه يماثل فاعلاً من حيث قبوله للتاء إلا فيما خص المؤنث نحو طامث .

{ وَنُسْقِيَهِ } أي ذلك الماء الطهور وعند جريانه في الأودية أو اجتماعه في الحياض والمناقع والآباء { مِمَّا خَلَقْنَا أنعاما وَأَنَاسِىَّ كَثِيراً } أي أهل البوادي الذي يعيشون بالحياء ، ولذلك نكر الأنعام والأناسي فالتنكير للتنويع .

وتخصيص هذا النوع بالذكر لأن أهل القرى والأمصار يقيمون بقرب الأنهار والمنابع فيهم وبما لهم من الأنعام غنية عن سقي السماء وسائر الحيوانات تبعد في طلب الماء فلا يعوزها الشرب غالباً ، ومساق الآيات الكريمة كا هو للدلالة على عظم القدرة كذلك هو لتعداد أنواع النعمة فالأنعام حيث كانت قنية للإنسان وعامة منافعهم ومعايشهم منوطة بها قدم سقيها على سقيهم كما قدم عليها أحياء الأرض فإنه سبب لحياتها وتعيشها فالتقديم من قبيل تقديم الأسباب على المسببات ، وجوز أن يكون تقديم ما ذكر على سقي الأناسي لأنهم إذا ظفروا بما يكون سقي أرضهم ومواشيهم لم يعدموا سقياهم ، وحاصله أنه من باب تقديم ما هو الأهم والأصل في باب الامتنان ، وذكر سقي الأناسي على هذا إرداف وتتميم للاستيعاب ، ومن تبعيضية أو بيانية و { كَثِيراً } صفة للمتعاطفين لا على البدل .

وقرأ عبد الله . وأبو حيوة . وابن أبي عبلة . والأعمش . وعاصم . وأبو عمرو في رواية عنهما { وَنُسْقِيَهِ } بفتح النون ورويت عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وأسقى وسقى لغتان ، وقيل : أسقاه بمعنى جعل السقيا له وهيأها ، و { أناسي } جمع إنسان عند سيبويه وأصله أناسين فقلبت نونه ياء وأدغمت فيما قبلها .

وذهب الفراء . والمبرد . والزجاج إلى أنه جمع إنسي ، قال في «البحر » : والقياس أناسية كما قالوا في مهلبى مهالبة . وفي «الدر المصون » أن فعالى إنما يكون جمعاً لما فيه ياء مشددة إذا لم يكن للنسب ككرسي وكراسي وما فيه ياء النسب يجمع على أفاعلة كأزرقي وأزارقة وكون ياء إنسي ليست للنسب بعيد فحقه أن يجمع على أناسية ، وقال في التسهيل : أنه أكثري ، وعليه لا يرد ما ذكر .

ومن باب الإشارة : { لّنُحْيِىَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً } أي قلوباً ميتة { وَنُسْقِيَهِ مِمَّا خَلَقْنَا أنعاما } وهم الذين غلبت عليهم الصفات الحيوانية يسقيهم سبحانه ليردهم إلى القيام بالعبادات { وَأَنَاسِىَّ كَثِيراً } [ الفرقان : 49 ] وهم الذين سكنوا إلى رياض الأنس يسقيهم سبحانه من ذلك ليفطمهم عن مراضع الإنسانية إلى المشارب الروحانية