قيل نَزَلَ الرسول - صلى الله عليه وسلم - في بعض أسفاره وقت القيلولة في ظل شجرة وكانوا خَلْقاً كثيراً فَمَدَّ اللَّهُ ظِلَّ تلك الشجرة حتى وسع جميعَهم وكانوا كثيرين ، فأنزل الله هذه الآية ، وكان ذلك من جملة معجزاته عليه السلام .
وقيل إن الله في ابتداء النهار قبل طلوع الشمس يجعل الأرضَ كلَّها ظلاً ، ثم إذا طلعت الشمسُ وانبسط على وجه الأرض شعاعُها فكلُّ شخصٍ يُبْسَطُ له ظِلُّ ، ولا يُصيب ذلك الموضعَ شعاعُ الشمس ، ثم يتناقض إلى وقت الزوال ، ثم يأخذ في الزيادة وقت الزوال . وذلك من أماراتِ قدرة الله تعالى ؛ لأنه أجرى العادة بخلق الظلِّ والضوء والفيء .
قوله : { وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً } : أي دائماً : { ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً } ؛ أي حال ارتفاعِ الشْمسِ ونُقصانِ الظِّلِّ .
ويقال : ألم تر إلى ربك كيف مدَّ ظل العناية على أحوال أوليائه ؛ فقومٌ هم في ظل الحماية ، وآخرون في ظل الرعاية ، وآخرون في ظل العناية ، والفقراء في ظل الكفاية ، والأغنياء في ظل الراحة من الشكاية .
ظلٌ هو ظل العصمة ، وظل هو ظل الرحمة ؛ فالعصمة للأنبياء عليهم السلام ثم للأولياء ، والرحمة للمؤمنين ، ثم في الدنيا لكافة الخلائق أجمعين . ويقال قوله للنبي صلى الله عليه وسلم : { أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ } ثم قوله { كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ } ستراً لما كان كاشفه به أولاً ، إجراءً للسُّنَّةِ في إخفاء الحال عن الرقيب . قال لموسى عليه السلام :
{ لَن تَرَانِى } [ الأعراف :143 ] وقال لنبينا عليه السلام : { أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ } وشتان ماهما !
ويقال أحيا قلبه بقوله : { أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ } إلى أن قال : { كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ } فجعل استقلاله بقوله : { أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ } إلى أن سمع ذكر الظل . ويقا أحياه بقوله : { أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ } ثم أفناه بقوله : { كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ } وكذا سُنَّتُه مع عباده ؛ يُردِّدُهم بين إِفناءٍ وإبقاء .
{ ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا } فكلما ارتفعت الشمس تقلص الظل شيئا فشيئا ، حتى يذهب بالكلية فتوالي الظل والشمس على الخلق الذي يشاهدونه عيانا وما يترتب على ذلك من اختلاف الليل والنهار وتعاقبهما وتعاقب الفصول ، وحصول المصالح الكثيرة بسبب ذلك- من أدل دليل على قدرة الله وعظمته وكمال رحمته وعنايته بعباده وأنه وحده المعبود المحمود المحبوب المعظم ، ذو الجلال والإكرام .
قوله : { ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا } القبض ؛ الامتناع والإمساك وهو ضد البسط . قبضه بيده أي أمسكه{[3329]} . والمعنى : أزلنا الظل بإيقاع شعاع الشمس موضعه . فعبر عن إحداث الظل بالمد ، وهي يعني البسيط . كما عبر عن إزالته بالقبض إلى نفسه وهو يعني الكف ؛ فقد قبضه قبضا يسيرا ؛ أي كفه قليلا قليلا ، حسب ارتفاع الشمس ؛ لتنتظم بذلك حركة الكون وتتحصل به منافع الأحياء في الحياة الدنيا باستقرار الأوقات من الزمان ، وهو يمر على الحياة والأحياء منسجما منتظما رتيبا لا عوج فيه ولا خلل . كل ذلك يدل على عظمة الصانع المقتدر الحكيم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.