ثم يواجهون الطغيان بالإيمان ، ويواجهون الأذى بالثبات ؛ ويسألون للتقرير والتوكيد :
( وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ؟ ولنصبرن على ما آذيتمونا ، وعلى الله فليتوكل المتوكلون ) . .
( وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ) . .
إنها كلمة المطمئن إلى موقفه وطريقه . المالئ يديه من وليه وناصره . المؤمن بأن الله الذي يهدي السبيل لا بد أن ينصر وأن يعين . وماذا يهم حتى ولو لم يتم في الحياة الدنيا نصر إذا كان العبد قد ضمن هداية السبيل ؟ والقلب الذي يحس أن يد الله - سبحانه - تقود خطاه ، وتهديه السبيل ، هو قلب موصول بالله لا يخطئ الشعور بوجوده - سبحانه - وألوهيته القاهرة المسيطرة ؛ وهو شعور لا مجال معه للتردد في المضي في الطريق ، أيا كانت العقبات في الطريق ، وأيا كانت قوى الطاغوت التي تتربص في هذا الطريق . ومن ثم هذا الربط في رد الرسل - صلوات الله وسلامه عليهم - بين شعورهم بهداية الله لهم وبين توكلهم عليه في مواجهة التهديد السافر من الطواغيت ؛ ثم إصرارهم على المضي في طريقهم في وجه هذا التهديد .
وهذه الحقيقة - حقيقة الارتباط في قلب المؤمن بين شعوره بهداية الله وبين بديهية التوكل عليه - لا تستشعرها إلا القلوب التي تزاول الحركة فعلا في مواجهة طاغوت الجاهلية ؛ والتي تستشعر في أعماقها يد الله - سبحانه - وهي تفتح لها كوى النور فتبصر الآفاق المشرقة وتستروح أنسام الإيمان والمعرفة ، وتحس الأنس والقربى . . وحينئذ لا تحفل بما يتوعدها به طواغيت الأرض ؛ ولا تملك أن تستجيب للإغراء ولا للتهديد ؛ وهي تحتقر طواغيت الأرض وما في أيديهم من وسائل البطش والتنكيل . وماذا يخاف القلب الموصول بالله على هذا النحو ؟ وماذا يخيفه من أولئك العبيد ؟ !
( وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ) . .
لنصبرن ، لا نتزحزح ولا نضعف ولا نتراجع ولا نهن ؛ ولا نتزعزع ولا نشك ولا نفرط ولا نحيد . .
{ وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى الله } ومحل الخلاف في دخول المتكلم في عموم كلامه حيث لم يعلم دخوله فيه بالطريق الأولى أو تقم عليه قرينة كما هنا . واحتمال أن يراد بالمؤمنين أنفسهم و { مَا لَنَا } التفات لا التفات إليه ، والجمع بين الواو والفاء تقدم الكلام فيه( {[484]} ) و { مَا } استفهامية للسؤال عن السبب والعذر و { ءانٍ } على تقدير حرف الجر أي أي عذر لنا في عدم التوكل عليه تعالى ، والإظهار لإظهار النشاط بالتوكل عليه جل وعلا والاستلذاذ باسمه تعالى وتعليل التوكل { وَقَدْ هدانَا } أي والحال أنه سبحانه قد فعل بنا ما يوجب ذلك ويستدعيه حيث هدانا { سُبُلَنَا } أي أرشد كلا منا سبيله ومنهاجه الذي شرع له وأوجب عليه سلوكه في الدين .
وقرأ أبو عمرو { سُبُلَنَا } بسكون الباء ، وحيث كانت أذية الكفار مما يوجب القلق والاضطراب القادح في التوكل قالوا على سبيل التوكيد القسمي مظهرين لكمال العزيمة . { وَلَنَصْبِرَنَّ على } و { فِى مَا } مصدرية أي إذائكم إيانا بالعناد واقتراح الآيات وغير ذلك مما لا خير فيه ، وجوزوا أن تكون موصولة بمعنى الذيوالعائد محذوف أي الذي آذيتموناه ، وكان الأصل آذيتمونا به فعل حذف به أو الباء ووصل الفعل إلى الضمير ؟ قولان { وَعَلَى الله } خاصة { فَلْيَتَوَكَّلِ المتوكلون } أي فليثبت المتوكلون على ما أحدثوه من التوكل ، والمراد بهم المؤمنون ، والتعبير عنهم بذلك لسبق اتصافهم به ، وغرض المرسلين من ذلك نحو غرضهم مما تقدم وربما يتجوز في المسند إليه . فالمعنى وعليه سبحانه فليتوكل مريدو التوكل لكن الأول أولى .
وقرأ الحسن بكسر لام الأمر في { *ليتوكل } وهو الأصل هذا ، وذكر بعضهم أن من خواص هذه الآية دفع أذى البرغوث . فقد أخرج المستغفري في الدعوات عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا آذاك البرغوث فخذ قدحاً من ماء واقرأ عليه سبع مرات { وَمَا لَنَا أَلاَّ *نَتَوَكَّلَ عَلَى الله } الآية وتقول : إن كنتم مؤمنين فكفوا شركم وأذاكم عنا ثم ترشه حول فراشك فإنك تبيت آمنا من شرها "
وأخرج الديلمي في مسند الفردوس عن أبي الدرداء مرفوعاً نحو ذلك إلا أنه ليس فيه «إن كنتم مؤمنين فكفوا شركم وأذاكم عنا » ولم أقف على صحة الخبر ولم أجرب ذلك إذ ليس للبرغوث ولع بي والحمد لله تعالى ، وأظن أن ذلك لملوحة الدم كما أخبرني به بعض الأطباء والله تعالى أعلم بحقيقة الحال .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.