في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{أَوۡ يُلۡقَىٰٓ إِلَيۡهِ كَنزٌ أَوۡ تَكُونُ لَهُۥ جَنَّةٞ يَأۡكُلُ مِنۡهَاۚ وَقَالَ ٱلظَّـٰلِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلٗا مَّسۡحُورًا} (8)

وكان من اعتراضاتهم الساذجة الجاهلة أن هذا الرسول يمشي في الأسواق ليكسب رزقه . فهلا كفاه الله ذلك ، وحباه بالمال الكثير عن غير كد ولا عمل : ( أو يلقى إليه كنز ، أو تكون له جنة يأكل منها ) !

والله لم يرد لرسوله [ صلى الله عليه وسلم ] أن يكون له كنز ولا أن تكون له جنة . لأنه أراد أن يكون قدوة كاملة لأمته ؛ ينهض بتكاليف رسالته الضخمة الهائلة ، وهو في الوقت ذاته يسعى لرزقه كما يسعى رجل من أمته . فلا يقولن أحد من أمته يكد لعيشه : لقد كان رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] مكفي الحاجة ، لا يعاني صراع العيش ، ومن ثم فرغ لعقيدته ورسالته وتكاليفه ، فلم يعوقه عائق مما أعاني . . فها هو ذا رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] يعمل ليعيش ، ويعمل لرسالته ، فلا أقل من أن ينهض كل أحد من أمته بنصيبه الصغير من تكاليف هذه الرسالة - وقدوته أمامه - ولقد انهال المال بعد ذلك على رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] كي تتم التجربة من جانبها الآخر وتتم القدوة . فلم يدع هذا المال يشغله أو يعطله ، فكان كالريح المرسلة في جوده ، حتى يستعلي على فتنة المال ، ويرخص من قيمته في النفوس ؛ وكي لا يقولن أحد بعد ذلك : إنما نهض محمد [ صلى الله عليه وسلم ] برسالته ، لأنه عاش فقيرا لا يشغله من المال شاغل ، فها هو ذا المال يأتيه غزيرا وفيرا ، ولكنه يمضي في دعوته كذلك . شأنه يوم أن كان فقيرا .

وما المال ? وما الكنوز ? وما الجنان ? حين يتصل الإنسان الفاني الضعيف بالله الباقي القوي ? ما هذه الأرض وما فيها ? بل ما هذا الكون المخلوق كله ، بعد الاتصال بالله خالق كل شيء ، وواهب الكثير والقليل ? ولكن القوم ما كانوا يوم ذلك يدركون !

( وقال الظالمون : إن تتبعون إلا رجلا مسحورا ) . .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{أَوۡ يُلۡقَىٰٓ إِلَيۡهِ كَنزٌ أَوۡ تَكُونُ لَهُۥ جَنَّةٞ يَأۡكُلُ مِنۡهَاۚ وَقَالَ ٱلظَّـٰلِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلٗا مَّسۡحُورًا} (8)

{ أَوْ يلقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا } تنزل عما تقدم كأنهم قالوا : إن لم توجد المخالفة بيننا وبينه في الأكل والتعيش فهلا يكون معه من يخالف فيهما يكون ردءاً له في الإنذار فإن لم توجد فهلا يخالفنا في أحدهما وهو طلب المعاش بأن يلقى إليه من السماء كنز يستظهر به ويرتفع احتياجه إلى التعيش بالكلية فإن لم يوجد فلا أقل من رفع الاحتياج في الجملة بإتيان بستان يتعيش بريعه كما للدهاقين والمياسير من الناس . والزمخشري ذكر أنهم عنوا بقولهم { مَا لهذا الرسول يَأْكُلُ الطعام وَيَمْشِى فِى الاسواق } [ الفرقان : 7 ] أنه كان يجب أن يكون ملكاً ثم نزلوا عن ملكيته إلى صحبة ملك له يعينه ثم نزلوا عن ذلك إلى كونه مرفوداً بكنز ثم نزلوا فاقتنعوا بأن يكون له بستان يأكل منه ويرتزق ، قيل الجملة الأخيرة فقط تنزل منهم وما قبل استئناف جواباً عما يقال كيف يخالف حاله صلى الله عليه وسلم حالكم وبأي شيء يحصل ذلك ويتميز عنكم ؟ ولا يخفى ما فيه ونصب { يَكُونَ } على جواب التحضيض ، وقرىء { فَيَكُونُ } بالرفع حكاه أبو معاذ ، وخرج على أن يكون معطوف على { أَنَزلَ } [ الفرقان : 7 ] لأنه لو وقع موقعه المضارع لكان مرفوعاً لأنك تقول ابتداء لولا ينزل بالرفع وقد عطف عليه { يُلْقِى } و { تَكُونُ } وهما مرفوعان أو هو جواب التحضيض على إضمار هو أي فهو يكون ، ولا يجوز في مثل هذا التركيب نصب { يُلْقِى } وتكون بالعطف على يكون المنصوب لأنهما في حكم المطلوب بالتحضيض لا في حكم الجواب .

ولعل التعبير أولاً بالماضي مع أن الأصل في لولا التي للتحضيض أو العرض دخولها على المضارع لأن إنزال الملك مع قطع النظر عن أن يكون معه عليه الصلاة والسلام نذيراً أمر متحقق لم يزل مدعياً له صلى الله عليه وسلم فما أخرجوا الكلام حسبما يدعيه عليه الصلاة والسلام وإن لم يكن مسلماً عندهم ، وفيه نوع تهكم منهم قاتلهم الله تعالى بخلاف الإلقاء وحصول الجنة ، ولعل في التعبير بالمضارع فيهما وإن كان هو الأصل إشارة إلى الاستمرار التجددي كأنهم طلبوا شيئاً لا ينفد . وذكر ابن هشام في «المغني » عن الهروي أنه قال بمجىء لولا للاستفهام ومثل له بمثالين أحدهما قوله تعالى : { لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ } ، وتعقب ذلك بأنه معنى لم يذكره أكثر النحويين ، والظاهر أنها في المثال المذكور مثلها في قوله تعالى : { لَوْلاَ * جَاءو عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء } [ النور : 13 ] ، وذكر أنها في ذلك للتوبيخ والتنديم وهي حينئذ تختص بالماضي ، ولا يخفى أنه إن عنى بقوله تعالى : { لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ } [ الفرقان : 7 ] ما وقع هنا فأمر كونها فيه للتوبيخ والتنديم في غاية الخفاء فتدبر ، وقرأ قتادة والأعمش { أَوْ يَكُونَ } بالياء آخر الحروف ، وقرأ زيد بن علي .

وحمزة . والكسائي وابن وثاب . وطلحة . والأعمش { نَّأْكُلَ } بالنون إسناداً للفعل إلى ضمير الكفر القائلين ماذكر { وَقَالَ الظالمون } هم القائلون الأولون وإنما وضع المظهر موضع ضميرهم تسجيلاً عليهم بالظلم فيما قالوه لكونه إضلالاً خارجاً عن حد الضلال مع ما فيه من نسبته صلى الله عليه وسلم إلى ما يشهد العقل والنقل ببراءته منه أو إلى ما يصلح أن يكون متمسكاً لما يزعمون من نفي الرسالة ، وقيل : يحتمل أن يكون المراد ، وقال الكاملون في الظلم منهم وأياً ما كان فالمراد أنهم قالوا للمؤمنين { إِن تَتَّبِعُونَ } أي ما تتبعون { إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُورًا } سحر فغلب على عقله فالمراد بالسحر ما به اختلال العقل ، وقيل : أصيب سحره أي رئته فاختل حاله كما يقال مرؤس أي أصيب رأسه ، وقيل : يسحر بالطعام وبالشراب أي يغذي أو ذا سحر أي رئة على أن مفعول للنسب وأرادا أنه عليه الصلاة والسلام ، بشر مثلهم ، وقيل أي ذا سحر بكسر السين وعنوا قاتلهم الله تعالى ساحراً ، والأظهر على ما في «البحر » التفسير الأول ، وذكر هو الأنسب بحالهم .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{أَوۡ يُلۡقَىٰٓ إِلَيۡهِ كَنزٌ أَوۡ تَكُونُ لَهُۥ جَنَّةٞ يَأۡكُلُ مِنۡهَاۚ وَقَالَ ٱلظَّـٰلِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلٗا مَّسۡحُورًا} (8)

قوله تعالى : { أو يلقى إليه كنز } من السماء ينفقه ، فلا يحتاج إلى التردد والتصرف في طلب المعاش ، { أو تكون له جنة } بستان ، { يأكل منها } قرأ حمزة والكسائي : نأكل بالنون أي : نأكل نحن منها ، { وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلاً مسحوراً } مخدوعاً . وقيل : مصروفاً عن الحق .