( والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين ) . . فأقصى ما يطمع فيه إبراهيم - عليه السلام - النبي الرسول ، الذي يعرف ربه هذه المعرفة ، ويشعر بربه هذا الشعور ، ويحس في قرارة نفسه هذه القربى . . أقصى ما يطمع فيه أن يغفر له ربه خطيئته يوم الدين . فهو لا يبرىء نفسه ، وهو يخشى أن تكون له خطيئة ، وهو لا يعتمد على عمله ، ولا يرى أنه يستحق بعمله شيئا ، إلا أنه يطمع في فضل ربه ، ويرجو في رحمته ، وهذا وحده هو الذي يطمعه في العفو والمغفرة .
إنه شعور التقوى ، وشعور الأدب ، وشعور التحرج ؛ وهو الشعور الصحيح بقيمة نعمة الله وهي عظيمة عظيمة ، وقيمة عمل العبد وهو ضئيل ضئيل .
وهكذا يجمع إبراهيم في صفة ربه عناصر العقيدة الصحيحة : توحيد الله رب العالمين . والإقرار بتصريفه للبشر في أدق شؤون حياتهم على الأرض . والبعث والحساب بعد الموت وفضل الله وتقصير العبد . وهي العناصر التي ينكرها قومه ، وينكرها المشركون .
{ والذي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى خَطِيئَتِى يَوْمَ الدين } استعظم عليه السلام ما عسى يندر منه من فعل خلاف الأولى حتى سماه خطيئة . وقيل : أراد بها قوله : { إِنّى سَقِيمٌ } [ الصافات : 89 ] وقوله : { بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا } [ الأنبياء : 63 ] ، وقوله لسارة هي أختي ، ويدل على أنه عليه السلام عدها من الخطايا ما ورد في حديث الشفاعة من امتناعه عليه السلام من أن يشفع حياء من الله عز وجل لصدور ذلك عنه . وفيه أنه وإن صح عدها من الخطايا بالنظر إليه عليه السلام لما قالوا : إن حسنات الأبرار سيئات المقربين إلا أنه لا يصح إرادتها هنا لما أنها إنما صدرت عنه عليه السلام بعد هذه المقاولة الجارية بينه وبين قومه . أما الثالثة فظاهرة لوقوعها بعد مهاجرته عليه السلام إلى الشام ؛ وأما الأوليان فلأنهما وقعتا مكتنفتين بكسر الأصنام ، ومن البين أن جريان هذه المقالات فيما بينهم كان في مبادي الأمر ، وهذا أولى مما قيل : إنها من المعاريض وهي لكونها في صورة الكذب يمتنع لها من تصدر عنه من الشفاعة ولكونها ليست كذباً حقيقة لا تفتقر إلى الاستغفار ، وقيل : أراد بها ما صدر عنه عند رؤية الكوكب والقمر والشمس من قوله : { هذا رَبّى } [ الأنعام : 77 ] وكان ذلك قبل هذه المقاولة كما لا يخفي ، وقد تقدم أن ذلك ليس من الخطيئة في شيء ، وقيل : أراد بها ما عسى يندر منه من الصغائر وهو قريب مما تقدم ، وقيل : أراد بها خطيئة من يؤمن به عليه السلام كما قيل نحوه في قوله تعالى : { لّيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ } [ الفتح : 2 ] ، وهو كما ترى والطمع على ظاهره ولم يجزم عليه السلام لعلمه أن لا وجوب على الله عز وجل . وعن الحسن أن المراد به اليقين وليس بذاك . والظرفان متعلقان بيغفر .
والإتيان بالأول للإشارة إلى أن نفع مغفرته تعالى إنما يعود إليه عليه السلام . وتعليق المغفرة بيوم الدين مع أن الخطيئة إنما تغفر في الدنيا لأن أثرها يتبين يومئذ ولأن في ذلك تهويلاً لذلك اليوم . وإشارة إلى وقوع الجزاء فيه إن لم تغفر . وفي هذه الجملة من التلطف بأبيه وقومه في الدعوة إلى الإيمان ما فيها وقرأ الحسن { خطاياي } على الجمع .
قوله تعالى : { والذي أطمع } أرجو { أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين } أي : خطايا يوم الحساب . قال مجاهد : هو قوله : إني سقيم ، وقوله : بل فعله كبيرهم هذا ، وقوله لسارة : هذه أختي ، وزاد الحسن وقوله للكواكب : هذا ربي .
أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر ، أنبأنا عبد الغافر بن محمد الفارسي ، أنا محمد بن عيسى الجلودي ، أنبأنا إبراهيم بن محمد بن سفيان ، حدثنا مسلم بن الحجاج ، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا حفص بن غياث ، عن داود ، عن الشعبي ، عن مسروق ، عن عائشة قالت : " قلت يا رسول الله : ابن جدعان ، كان في الجاهلية يصل الرحم ، ويطعم المساكين ، فهل ذاك نافعه ؟ قال : لا ينفعه إنه لم يقل يوماً ، رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين " . وهذا كله احتجاج من إبراهيم على قومه ، وإخبار أنه لا يصلح الإلهية إلا لمن يفعل هذه الأفعال .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.