( وقالوا : لولا أنزل عليه آيات من ربه . قل : إنما الآيات عند الله ، وإنما أنا نذير مبين ) . .
يعنون بذلك الخوارق المادية التي صاحبت الرسالات من قبل في طفولة البشرية . والتي لا تقوم حجة إلا على الجيل الذي يشاهدها . بينما هذه هي الرسالة الأخيرة التي تقوم حجتها على كل من بلغته دعوتها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها . ومن ثم جاءت آياتها الخوارق آيات متلوة من القرآن الكريم المعجز الذي لا تنفد عجائبه ؛ والذي تتفتح كنوزه لجميع الأجيال ؛ والذي هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم ، يحسونها خوارق معجزة كلما تدبروها ، وأحسوا مصدرها الذي تستمد منه سلطانها العجيب !
( قل : إنما الآيات عند الله ) . . يظهرها عند الحاجة إليها ، وفق تقديره وتدبيره . وليس لي أن أقترح على الله شيئا . ليس هذا من شأني ولا من أدبي ( وإنما أنا نذير مبين ) . أنذر وأحذر وأكشف وأبين ؛ فأؤدي ما كلفته . ولله الأمر بعد ذلك والتدبير .
إنه تجريد العقيدة من كل وهم وكل شبهة . وإيضاح حدود الرسول وهو بشر مختار . فلا تتلبس بصفات الله الواحد القهار . ولا تغيم حولها الشبهات التي غامت على الرسالات حين برزت فيها الخوارق المادية ، حتى اختلطت في حس الناس والتبست بالأوهام والخرافات . ونشأت عنها الانحرافات .
{ وَقَالُواْ } أي كفار قريش بتعليم بعض أهل الكتاب .
وقيل : الضمير لأهل الكتاب { لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءايات مّن رَّبّهِ } مثل ناقة صالح وعصا موسى ، وقرأ أكثر أهل الكوفة { ءايَةً } على التوحيد { قُلْ إِنَّمَا الايات عِندَ الله } ينزلها حسبما يشاء من غير دخل لأحد في ذلك قطعاً { وَإِنَّمَا أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } ليس من شأني إلا الإنذار بما أوتيت من الآيات لا الاتيان بما اقترحتموه فالقصر قصر قلب .
{ 50 - 52 } { وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ }
أي : واعترض هؤلاء الظالمون المكذبون للرسول ولما جاء به ، واقترحوا عليه نزول آيات عينوها ، كقولهم :
{ وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا } الآيات . فتعيين الآيات ليس عندهم ، ولا عند الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، فإن في ذلك تدبيرا مع اللّه ، وأنه لو كان كذلك ، وينبغي{[628]} أن يكون كذلك ، وليس لأحد من الأمر شيء .
ولهذا قال : { قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ } إن شاء أنزلها أو منعها { وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ } وليس لي مرتبة فوق هذه المرتبة .
وإذا كان القصد بيان الحق من الباطل ، فإذا حصل المقصود -بأي : طريق- كان اقتراح الآيات المعينات على ذلك ظلما وجورا ، وتكبرا على اللّه وعلى الحق .
بل لو قدر أن تنزل تلك الآيات ، ويكون في قلوبهم أنهم لا يؤمنون بالحق إلا بها ، كان ذلك ليس بإيمان ، وإنما ذلك شيء وافق أهواءهم ، فآمنوا ، لا لأنه حق ، بل لتلك الآيات . فأي فائدة حصلت في إنزالها على التقدير الفرضي ؟
قوله تعالى : { وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون*وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه } كما أنزل على الأنبياء من قبل ، قرأ ابن كثير ، وحمزة ، والكسائي ، وأبو بكر : آية على التوحيد ، وقرأ الآخرون : آيات من ربه ، قوله عز وجل : { قل إنما الآيات عند الله } وهو القادر على إرسالها إذا شاء أرسلها ، { وإنما أنا نذير مبين } أنذر أهل المعصية بالنار ، وليس إنزال الآيات بيدي .
ثم قصت علينا السورة الكريمة بعد ذلك طرفاً من أقوال المشركين الفاسدة وأمرت الرسول صلى الله عليه وسلم أن يرد عليهم بما يزهق باطلهم ، كما قصت علينا لونا من ألوان جهالاتهم ، حيث استعجلوا الذى لا يستعجله عاقل . فقال - تعالى - : { وَقَالُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ . . . مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } .
ومرادهم بالآيات فى قوله - تعالى - : { وَقَالُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ } الآيات الكونية ، كعصا موسى ، وناقة صالح . ولولا حرف تحضيض بمعنى هلا .
أى : وقال المبطلون للنبى صلى الله عليه وسلم على سبيل التعنت والعناد ، هلا جئتنا يا محمد بمعجزات حسية كالتى جاء بها بعض الأنبياء من قبلك ، لكى نؤمن بك ونتبعك ؟
وقوله : { قُلْ إِنَّمَا الآيات عِندَ الله وَإِنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } إرشاد من الله - تعالى - لنبيه صلى الله عليه وسلم إلى ما يرد به عليهم .
أى : قل - أيها الرسول - الكريم - فى ردك على هؤلاء الجاهلين ، إنما الآيات التى تريدونها عند الله - تعالى - وحده ، ينزلها حسب إرادته وحكمته ، أما أنا فإن وظيفتى الإِنذار الواضح بسوء مصير من أعرض عن دعوتى ، وليس من وظيفتى أن أقترح على الله - تعالى شيئاً .
قوله تعالى : { وَقَالُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ ( 50 ) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 51 ) قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ } .
قال المشركون لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، معاندين مكابرين : هلا أُنزل على محمد آيات كآيات النبيين من قبله . وذلك كما جاء صالح بالناقة ، وموسى بالعصا ، وعيسى بإحياء الموتى { قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِندَ اللَّهِ } يعني إنما أمر الآيات والمعجزات إلى الله فلا يقدر أحد أن يأتي بشيء من ذلك سواه . وهو سبحانه لو كان يعلم أنكم تهتدون بمعاينة الآيات لجاءكم بها وهو عليه هين ويسير . لكن الله عليم بكفركم وجحودكم . ويعلم أنكم ما قصدتم غير التعنت والعبث والعناد { وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ } أي إنما بعثت إليكم لأبلغكم رسالة ربكم وأنذركم عقابه على كفركم وإعراضكم عن دينه .