فتح الرحمن في تفسير القرآن لتعيلب - تعيلب  
{وَقَالُواْ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ ءَايَٰتٞ مِّن رَّبِّهِۦۚ قُلۡ إِنَّمَا ٱلۡأٓيَٰتُ عِندَ ٱللَّهِ وَإِنَّمَآ أَنَا۠ نَذِيرٞ مُّبِينٌ} (50)

{ وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين50 أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون51 قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا يعلم ما في السماوات والأرض والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله أولئك هم الخاسرون52 ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب وليأتينهم بغتة وهم لا يشعرون 53 يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين54 يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ويقول ذوقوا ما كنتم تعملون55 }

بعد أن ساقت الآيات البرهان على صدق القرآن ومن أنزل عليه القرآن بين العزيز العليم جانبا من تعنت المشركين ، بيته معهم أئمة الحقد من اليهود والنصارى الضالين ، فاقترحوا على النبي صلى الله عليه وسلم- بل اشترطوا لقبولهم ما يدعو إليه ، وتصديقهم لرسالته أن يجيئهم بآيات كونية ، ومعجزات حسية ، تكون برهانا على صدق نبوته ، كما أوتي صالح الناقة ، وأوتي موسى العصا ، في جملة تسع آيات ، وأوتي عيسى معجزة إحياء الموتى بإذن الله- ولقد بين القرآن الكريم ما اشترطوه في آي كريمات : )وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا . أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا . أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا . أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا( {[3245]} ، فعلم الله تعالى نبيه الرد عليهم بقوله تبارك اسمه : )وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها . . ( {[3246]} ، وقل لهم : الدلائل الحسية يرسلها الله تعالى متى شاء ويمسكها حين يشاء ، ولا أملك إلا أن أنذر من كذب ، وأبين ما أوحي إلي من الحق والرشد ، وهل يبتغي عاقل برهانا على صدق الرسالة أقطع من سلطان القرآن وبرهانه ؟ ! وإنه للمعجزة الخالدة ، لا يخضع لسلطان حججه من عاصر نزوله وحسب ، وإنما تبقى الحجة به قائمة ، والتحدي بإعجازه ممتد إلى الأبد ، أفلم يكفهم هذا وقد أردنا أن تكون أعظم المعجزات التي نجريها على يديك هي معجزة عقلية أبدية ؟ !

وفي هذا المعنى يروي البخاري ومسلم في صحيحيهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ما من نبي من الأنبياء إلا قد أوتي من الآيات ما على مثله آمن البشر ولكن الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة " ، { إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون } إن في ذلك الكتاب الذي يهدي للتي هي أقوم{ لرحمة } في الدنيا والآخرة { وذكرى } يتذكر بها أصحاب العقول في الدنيا سبيل ربحهم وفوزهم العاجل والآجل ، فيتحقق به الفلاح { لقوم يؤمنون } فإنهم الذين يصدقون ، وعلى منهاجه يستقيمون ، فإن صد عنك وعما جاءك المستكبرون ، واتهمك المفترون ، فكفى أن يشهد برسالتك من أحاط علمه بأرجاء السماء ، وظلمات الأرض وآفاق الكون ، يعلم أنك على الحق المبين ، وأنه لن يتأتى لك أن تقول من عند نفسك فتكون من المهلكين : )ولو تقول علينا بعض الأقاويل . لأخذنا منه باليمين . ثم لقطعنا منه الوتين . فما منكم من أحد عنه حاجزين( {[3247]} ، ومن يصدق الشيطان ويعبد الأوثان ، ويجحد جلال الملك الديان ، فأولئك خسروا أعظم الخسران ، ومهما تعجلوا نزول العذاب بساحتهم- يستبعدون ذلك ، وينكرون ويسخرون- فلن يحل بهم إلا في الوقت الذي قضاه الله موعدا لإهلاكهم ، وسنبطش بهم فجأة فلا يشعرون إلا ببأسنا قد باغتهم إذ لم يكونوا يتوقعون ، كما قال الله سبحانه : )أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون . أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون . أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون ( {[3248]} ، فإن كانوا يستعجلون نقمة الآخرة ، ونكال الجحيم ، فإن جهنم موعدهم ، وموئلهم ومرجعهم ، فهي كالمحيطة بهم لدنوها منهم ، وسيطوقهم سرادقها ويحيط بهم يوم يلفهم اللهب والسعير من كل جوانبهم ونواحيهم ، )لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل . . ( {[3249]} )في عمد ممدة( {[3250]} ) لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش . . ( {[3251]} ، وتحسرهم الملائكة فيقول خازن النار ، بأمر الواحد القهار

{ ذوقوا ما كنتم تعملون } تجرعوا جزاء ما عملتم ، واصلوا ما كنتم قد كذبتم به واستعجلتم ، { من فوقهم ومن تحت أرجلهم } قد يراد من سائر الجهات وليس من أعلى وأسفل فقط ، كما جاء في قول الله الحق . )لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوهم النار ولا عن ظهورهم . . ( {[3252]} .


[3245]:سورة الإسراء. الآيات من: 90 إلى 93.
[3246]:سورة الإسراء. من الآية 59.
[3247]:سورة الحاقة. الآيات من 44 إلى 47.
[3248]:سورة الأعراف. الآيات: 97، 98، 99.
[3249]:سورة الزمر. من الآية 16.
[3250]:سورة الهمزة. الآية 9.
[3251]:سورة الأعراف. من الآية 41.
[3252]:سورة الأنبياء. من الآية 39.