بعد هذا يمضي السياق في إقامة التصور الإيماني على قاعدته الكبيرة . قاعدة التوحيد . ويعرض من مشاهد الكون ما يشهد بهذه الحقيقة شهادة لا تقبل الجدل . ثم يندد بمن يتخذون من دون الله اندادا ؛ ويصور موقفهم المتخاذل يوم يرون العذاب ، فيتبرأ بعضهم من بعض ؛ فلا ينفعهم هذا التبرؤ ، ولا تفيدهم حسراتهم ولا تخرجهم من النار .
( وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم . إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار ، والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس ، وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة ، وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون . ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله ، والذين آمنوا أشد حبا لله . ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا ، وأن الله شديد العذاب . إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ، ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب . وقال الذين اتبعوا : لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرؤوا منا ! كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم ، وما هم بخارجين من النار ) . .
إن وحدة الألوهية هي القاعدة الكبيرة التي يقوم عليها التصور الإيماني . فلم يكن هناك جدل حول الاعتقاد بوجود إله - تختلف التصورات حول ذاته وحول صفاته وحول علاقاته بالخلق ولكنها لا تنفي وجوده - ولم يقع أن نسيت الفطرة هذه الحقيقة ، حقيقة وجود إله ، إلا في هذه الأيام الأخيرة حين نبتت نابتة منقطعة عن أصل الحياة ، منقطعة عن أصل الفطرة ، تنكر وجود الله . وهي نابتة شاذة لا جذور لها في أصل هذا الوجود ؛ ومن ثم فمصيرها حتما إلى الفناء والاندثار من هذا الوجود . هذا الوجود الذي لا يطيق تكوينه ، ولا تطيق فطرته بقاء هذا الصنف من الخلائق المقطوعة الجذور !
لذلك اتجه السياق القرآني دائما إلى الحديث عن وحدة الألوهية ، بوصفها التصحيح الضروري للتصور ، والقاعدة الأساسية لإقامة هذا التصور . . ثم لإقامة سائر القواعد الأخلاقية والنظم الاجتماعية ، المنبثقة من هذا التصور . . تصور وحدة الألوهية في هذا الوجود :
( وإلهكم إله واحد ) . . ( لا إله إلا هو ) . . ( الرحمن الرحيم ) . .
ومن وحدانية الألوهية التي يؤكدها هذا التأكيد ، بشتى أساليب التوكيد ، يتوحد المعبود الذي يتجه إليه الخلق بالعبودية والطاعة ؛ وتتوحد الجهة التي يتلقى منها الخلق قواعد الأخلاق والسلوك ؛ ويتوحد المصدر الذي يتلقى منه الخلق أصول الشرائع والقوانين ؛ ويتوحد المنهج الذي يصرف حياة الخلق في كل طريق .
وهنا والسياق يستهدف إعداد الأمة المسلمة لدورها العظيم في الأرض ، يعيد ذكر هذه الحقيقة التي تكرر ذكرها مرات ومرات في القرآن المكي ، والتي ظل القرآن يعمق جذورها ويمد في آفاقها حتى تشمل كل جوانب الحس والعقل ، وكل جوانب الحياة والوجود . . . يعيد ذكر هذه الحقيقة ليقيم على أساسها سائر التشريعات والتكاليف . . ثم يذكر من صفات الله هنا : ( الرحمن الرحيم ) . . فمن رحمته السابغة العميقة الدائمة تنبثق كل التشريعات والتكاليف .
{ وإلهكم إله واحد } نزلت كما روي عن ابن عباس لما قال كفار قريش للنبي صلى الله عليه وسلم : صف لنا ربك ، والخطاب عام لكل من يصح أن يخاطب كما هو الظاهر غير مختص بشأن النزول ، والجملة معطوفة على { إِنَّ الذين يَكْتُمُونَ } [ البقرة : 159 ] عطف القصة على القصة ، والجامع أن الأولى مسوقة لإثبات نبوته صلى الله عليه وسلم ، وهذه لإثبات وحدانيته تعالى ، وقيل : الخطاب للكاتمين ، وفيه انتقال عن زجرهم عما يعاملون رسولهم إلى زجرهم عن معاملتهم ربهم حيث يكتمون وحدانيته ، ويقولون : عزير ، وعيسى ابنان لله عز وجل ، وفيه أنه وإن حسن الانتظام إلا أنه فيه خروج شأن النزول عن الآية وهو باطل وإضافة إله إلى ضمير المخاطبين باعتبار الاستحقاق لا باعتبار الوقوع فإن الآلهة الغير المستحقة كثيرة ، وإعادة/ لفظ إله وتوصيفه بالوحدة لإفادة أن المعتبر الوحدة في الألوهية ، واستحقاق العبادة ، ولولا ذلك لكفى وإلهكم واحد فهو بمنزلة وصفهم الرجل بأنه سيد واحد ، وعالم واحد وقال أبو البقاء : إله خبر المبتدأ ، و( واحد ) صفة له ، والغرض هنا هو الصفة إذ لو قال : وإلهكم واحد لكان هو المقصود إلا أن في ذكره زيادة تأكيد ، وهذا يشبه الحال الموطئة كقولك : مررت بزيد رجلاً صالحاً ، وكقولك في الخبر : زيد شخص صالح ، ولعل الأول ألطف ، وأكثر الناس على أن الواحد هنا بمعنى لا نظير له ولا شبيه في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ، وقيل إن المراد به ما ليس بذي أبعاض ولا يجوز عليه الانقسام ولا يحتمل التجزئة أصلاً ، وليس المعنى به هنا مبدأ العدد ، وأصح الأقوال عند ذوي العقول السليمة أنه الذي لا نظير له ولا شبيه له في استحقاق العبادة وهو مستلزم لكل كمال آب عما فيه أدنى وصمة وإخلام .
{ لاَ إله إِلاَّ هُوَ } خبر ثان للمبتدأ أو صفة أخرى للخبر أو جملة معترضة لا محل لها من الإعراب ، وعلى أي تقدير هو مقرر للوحدانية ومزيح على ما قيل لما عسى أن يتوهم أن في الوجود إلهاً لكن لا يستحق العبادة ، والضمير المرفوع على الصحيح بدل من الضمير المستكن في الخبر المحذوف فهو بدل مرفوع من ضمير مرفوع ، وقد اختلف في المنفي هل المعبود بحق أو المعبود بباطل ؟ فقال محمد الشيشيني : النفي إنما تسلط على الآلهة المعبودة بباطل تنزيلاً لها منزلة العدم ، وقال عبد الله الهبطي : إنما تسلط على الآلهة المعبدة بحق ولكل انتصر بعض ، وذكر الملوي أن الحق مع الثاني لأن المعبود بباطل له وجود في الخارج ، ووجود في ذهب المؤمن بوصف كونه باطلاً ، ووجود في ذهن الكافر بوصف كونه حقاً فهو من حيث وجوده في الخارج في نفسه لا تنفي لأن الذات لا تنفي ، وكذا من حيث كونه معبوداً بباطل لا ينفي أيضاً إذ كونه معبوداً بباطل أمر حق لا يصح نفيه وإلا كان كذباً ، وإنما ينفي من حيث وجوده في ذهن الكافر من حيث وجوده في ذهنه بوصفه كونه معبوداً بحق ، فالمعبودات الباطلة لم تنف إلا من حيث كونها معبودة بحق فلم ينف في هذه الكلمة إلا المعبود بحق غيره تعالى فافهم ، وسيأتي تحقيق ما في هذه الكلمة الطيبة في محله إن شاء الله تعالى .
{ الرحمن الرحيم } . خبران آخران بعد خبر أو خبرين لقوله تعالى : { ألهاكم } أو لمبتدأ محذوف والجملة معترضة ، أو بدلان على رأي وجىء بهما لتمييز الذات الموصوفة بالوحدة عما سواه وليكون الجواب موافقاً لموا سألوه وفي ذلك إشارة إلى حجة الوحدانية لأنه لما كان مولى النعم كلها أصولاً وفروعاً دنيا وأخرى ، وما سواه إما خير محض أو خير غالب ، وهو إما نعمة أو منعم عليه لم يستحق العبادة أحد غيره لاستواء الكل في الاحتياج إليه تعالى في الوجود وما يتبعه من الكمالات .
( ومن باب الإشارة ) :{ وإلهكم إله واحد } [ البقرة : 163 ] بالذات لا شيء في الوجود غيره فأنى يعبد سواه ، وهو العدم البحت .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.