في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{الٓمٓ} (1)

مقدمة السورة:

سورة لقمان مكية وآياتها أربع وثلاثون

جاء هذا القرآن الكريم ليخاطب الفطرة البشرية بمنطقها . نزله الذي خلق هذه الفطرة ، والذي يعلم ما يصلح لها وما يصلحها ، ويعلم كيف يخاطبها ، ويعرف مداخلها ومساربها . جاء يعرض على هذه الفطرة الحقيقة المكنونة فيها من قبل ؛ والتي تعرفها قبل أن تخاطب بهذا القرآن ، لأنها قائمة عليها أصلا في تكوينها الأول . . تلك هي حقيقة الاعتراف بوجود الخالق وتوحيده ، والتوجه إليه وحده بالإنابة والعبادة مع موكب الوجود كله المتجه إلى خالقه بالحمد والتسبيح . . إنما تغشى على الفطرة غواش من دخان هذه الأرض ؛ وتغمرها غمرات من فورة اللحم والدم ؛ وتنحرف بها عن الطريق دفعات من الهوى والشهوة . هنا يجيء هذا القرآن ليخاطب الفطرة بمنطقها الذي تعرفه ؛ ويعرض عليها الحقيقة التي غفلت عنها بالأسلوب الذي تألفه ؛ ويقيم على أساس هذه الحقيقة منهاج الحياة كله ، مستقيما مع العقيدة ، مستقيما مع الفطرة ، مستقيما على الطريق إلى الخالق الواحد المدبر الخبير . .

وهذه السورة المكية نموذج من نماذج الطريقة القرآنية في مخاطبة القلب البشري . وهي تعالج قضية العقيدة في نفوس المشركين الذين انحرفوا عن تلك الحقيقة . إنها القضية التي تعالجها السور المكية في أساليب شتى ، ومن زوايا منوعة ، تتناول القلب البشري من جميع أقطاره ؛ وتلمس جوانبه بشتى المؤثرات التي تخاطب الفطرة وتوقظها . .

هذه القضية الواحدة - قضية العقيدة - تتلخص هنا في توحيد الخالق وعبادته وحده وشكر آلائه . وفي اليقين بالآخرة وما فيها من حساب دقيق وجزاء عادل . وفي اتباع ما أنزل الله والتخلي عما عداه من مألوفات ومعتقدات .

والسورة تتولى عرض هذه القضية بطريقة تستدعي التدبر لإدراك الأسلوب القرآني العجيب في مخاطبة الفطر والقلوب . وكل داع إلى الله في حاجة إلى تدبر هذا الأسلوب .

إنها تعرض هذه القضية في مجال العرض القرآني . وهو هذا الكون الكبير . سماؤه وأرضه . شمسه وقمره . نهاره وليله . أجواؤه وبحاره ، أمواجه وأمطاره . نباته وأشجاره . . وهذا المجال الكوني يتكرر في القرآن الكريم . فيحيل الكون كله مؤثرات ناطقة ، وآيات مبثوثة عن الإيمان والشمائل ، تخاطب القلوب البشرية وتؤثر فيها وتستحييها ، وتأخذ عليها المسالك والدروب .

ومع أن القضية واحدة ومجال العرض واحد ، فإنها تعرض في السورة أربع مرات في أربع جولات ، تطوف كل منها بالقلب البشري في ذلك المجال الفسيح ، مستصحبة في كل مرة مؤثرات جديدة ، ومتبعة أسلوبا كذلك جديدا في العرض والتناول . وتتبع هذه الجولات وهي تبدأ وتنتهي بطريقة عجيبة فيه متاعللقلب والعقل . إلى جانب ما فيه من دواعي التأثر والاستجابة .

تبدأ الجولة الأولى بعد افتتاح السورة بالأحرف المقطعة ؛ فتقرر أن هذه السورة من جنس تلك الأحرف ، هي آيات الكتاب الحكيم ، وهي هدى ورحمة للمحسنين . وهؤلاء المحسنون هم : ( الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون )فتقرر قضية اليقين بالآخرة وقضية العبادة لله . ومعها مؤثر نفسي ملحوظ هو أن( أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون )ومن ذا الذي لا يريد أن يكون من المفلحين ? . وفي الجانب الآخر فريق من الناس يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ، ويتخذ تلك الآيات هزوا . وهؤلاء يعاجلهم بمؤثر نفسي مخيف مناسب لاستهزائهم بآيات الله : ( أولئك لهم عذاب مهين ) . . ثم يمضي في وصف حركات هذا الفريق : ( وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها ) . . ومع الوصف مؤثر نفسي يحقر هذا الفريق : ( كأن في أذنيه وقرا )ومؤثر آخر يخيفه مع التهكم الواضح في التعبير : ( فبشره بعذاب أليم )والبشارة هنا فيها ما فيها من التهكم الملحوظ ! . . ثم يعود إلى المؤمنين يفصل شيئا من فلاحهم الذي أجمله في أول السورة و يبين جزاءهم في الآخرة ، كما كشف عن جزاء المستهزئين المستكبرين : ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات النعيم خالدين فيها وعد الله حقا ، وهو العزيز الحكيم ) . . وهنا يعرض صفحة الكون الكبير محالا للبرهان الذي يطالع الفطرة من كل جانب ، ويخاطبها بكل لسان ، ويواجهها بالحق الهائل الذي يمر عليه الناس غافلين : ( خلق السماوات بغير عمد ترونها ، وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم ، وبث فيها من كل دابة ، وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم ) . . وأمام هذه الأدلة الكونية التي تهول الحس وتبده الشعور يأخذ بتلابيب القلوب الشاردة ، التي تجعل لله شركاء وهي ترى خلقه الهائل العظيم : ( هذا خلق الله . فأروني ماذا خلق الذين من دونه ? بل الظالمون في ضلال مبين ) . .

وعند هذا الإيقاع الكوني الضخم العميق تنتهي الجولة الأولى بقضاياها ومؤثراتها معروضة في ساحة الكون الكبير .

فأما الجولة الثانية فتبدأ من خلال نفوس آدمية ، وتتناول القضية ذاتها في المجال ذاته بأسلوب جديد ومؤثرات جديدة . . ( ولقد آتينا لقمان الحكمة )فما طبيعة هذه الحكمة وما مظهرها الفريد ? إنها تتلخص في الاتجاه لله بالشكر : ( أن اشكر لله )فهذه هي الحكمة وهذا هو الاتجاه الحكيم . . والخطوة التالية هي اتجاه لقمان لابنه بالنصيحة : نصيحة حكيم لابنه . فهي نصيحة مبرأة من العيب ، صاحبها قد أوتي الحكمة . وهي نصيحة غير متهمة ، فما يمكن أن تتهم نصيحة والد لولده . هذه النصيحة تقرر قضية التوحيد التي قررتها الجولة الأولى وقضية الآخرة كذلك مصحوبة بهذه المؤثرات النفسية ومعها مؤثرات جديدة : ( وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه : يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم ) . . ويؤكد هذه القضية بمؤثر آخر فيعرض لعلاقة الأبوة والأمومة بأسلوب يفيض انعطافا ورحمة : ( ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين )ويقرن قضية الشكر لله بالشكر لهذين الوالدين ، فيقدمها عليها : أن اشكر لي ولوالديك . . ثم يقرر القاعدة الأولى في قضية العقيدة ، وهي أن وشيجة العقيدة هي الوشيجة الأولى ، المقدمة على وشيجة النسب والدم . وعلى ما في هذه الوشيجة من انعطاف وقوة إلا أنها تالية للوشيجة الأولى : ( وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما ، وصاحبهما في الدنيا معروفا ، واتبع سبيل من أناب إلي ) . ويقرر معها قضية الآخرة : ( ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون ) . . ويتبع هذه القضية بمؤثر هائل وهويصور عظمة علم الله ودقته وشموله وإحاطته ، تصويرا يرتعش له الوجدان البشري وهو يتابعه في المجال الكوني الرحيب : ( يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل ، فتكن في صخرة ، أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله . إن الله لطيف خبير ) . . ثم يتابع لقمان وصيته لابنه بتكاليف العقيدة ، بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والصبر على ما يستتبعه هذا وذلك من مواجهة المتاعب التي لا بد أن تواجه صاحب العقيدة ، وهو يخطو بها الخطوة الطبيعية ، فيتجاوز بها نفسه إلى غيره : ( واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور ) . . ومع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على المصاب الأدب الواجب . أدب الداعي إلى الله . ألا يتطاول على الناس ، فيفسد بالقدوة ما يصلح بالكلام : ( ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا ، إن الله لا يحب كل مختال فخور . واقصد في مشيك واغضض من صوتك . إن أنكر الأصوات لصوت الحمير ) . . والمؤثر النفسي بتحقير التصعير والنفخة ملحوظ في التعبير . وبه تنتهي هذه الجولة الثانية ، وقد عالجت القضية ذاتها في مجالها المعهود ، بمؤثرات جديدة وبأسوب جديد .

ثم تبدأ الجولة الثالثة . . تبدأ بعرض القضية المعهودة في مجال السماوات والأرض ، مصحوبة بمؤثر منتزع من علاقة البشر بالسماوات والأرض وما فيها من نعم سخرها الله للناس وهم لا يشكرون : ( ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة . ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ) . . وفي ظل هذا المؤثر يبدو الجدل في الله مستنكرا من الفطرة ، تمجه القلوب المستقيمة . . ثم يتابع استنكار موقف الكفر والجمود : وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا : بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا . . وهو موقف سخيف مطموس ، يتبعه بمؤثر مخيف : أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير ? . . ومن ثم يعرض قضية الجزاء في الآخرة مرتبطة بقضية الإيمان والكفر : ( ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى وإلى الله عاقبة الأمور . . ومن كفر فلا يحزنك كفره إلينا مرجعهم ، فننبئهم بما عملوا ) . . ويشير إلى علم الله الواسع الدقيق : ( إن الله عليم بذات الصدور ) . ويصحب ذلك العرض بتهديد مخيف : ( نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ ) . . وقرب ختام الجولة يقفهم وجها لوجه أمام منطق الفطرة وهي تواجه هذا الكون ، فلا تملك إلا الاعتراف بالخالق الواحد الكبير : ( ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن : الله . قل : الحمد لله ، بل أكثرهم لا يعلمون ) . . ويختم الجولة بمشهد كوني يصور امتداد علم الله بلا نهاية ، وانطلاق مشيئته في الخلق والإنشاء بلا حدود ؛ ويجعل من هذا دليلا كونيا على البعث والإعادة وعلى الخلق والإنشاء : لو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله . إن الله عزيز حكيم . ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة . إن الله سميع بصير . .

وتبدأ الجولة الرابعة بمشهد كوني ذي إيقاع خاص في القلب البشري . مشهد الليل وهو يطول فيدخل في جسم النهار ويمتد ؛ والنهار وهو يطول فيدخل في جسم الليل ويمتد . ومشهد الشمس والقمر مسخرين في فلكيهما يجريان في حدود مرسومة إلى وقت لا يعلمه إلا خالقهما الخبير بهما وبالناس وبما يعملون : ( ألم تر أن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل ، وسخر الشمس والقمر كل يجري إلى أجل مسمى ، وأن الله بما تعملون خبير ) . . ويتخذ من هذا المشهد الكوني دليله إلى الفطرة على القضية المعهودة : ( ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل وأن الله هو العلي الكبير ) . . ويلمس القلوب بمؤثر آخر من نعمة الله على الناس في صورة الفلك التي تجري في البحر : ( ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمة الله ليريكم من آياته ? )ويعقب على هذا بوقفهم أمام منطق الفطرة حين تواجه هول البحر مجردة من غرور القدرة والعلمالذي يبعدها عن بارئها ؛ ويتخذ من هذا المنطق دليلا على قضية التوحيد : ( وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين ، فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد ؛ وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور ) . . وبمناسبة موج البحر وهو له يذكرهم بالهول الأكبر ، وهو يقرر قضية الآخرة . الهول الذي يفصم وشائج الدم التي لا يفصلها في الدنيا هول : ( يا أيها الناس اتقوا ربكم . واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ، ولا مولود هو جاز عن والده شيئا . إن وعد الله حق . فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور ) . . وعند هذا المقطع وهذا المؤثر الذي يرتجف له الكيان يختم السورة بآية تقرر القضايا التي عالجتها جميعا ، في إيقاع قوي عميق مرهوب : ( إن الله عنده علم الساعة ، وينزل الغيث ، ويعلم ما في الأرحام . وما تدري نفس ماذا تكسب غدا ، وما تدري نفس بأي أرض تموت . إن الله عليم خبير ) . .

هذه الجولات الأربع بأساليبها ومؤثراتها ودلائلها وآياتها نموذج من أسلوب القرآن الكريم في معالجة القلوب . هذا الأسلوب المختار من خالق هذه القلوب العليم بمداخلها . الخبير بما يصلح لها وما تصلح به من الأساليب . .

والآن نأخذ في تفصيل هذا الإجمال . فنعرض هذه الجولات الأربع في درسين لما بين كل اثنين منها من ترابط واتساق . .

ألم . تلك آيات الكتاب الحكيم . هدى ورحمة للمحسنين ، الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ، وهم بالآخرة هم يوقنون . أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون . .

الافتتاح بالأحرف المقطعة . ( ألف . لام . ميم )والإخبار عنها بأنها : ( تلك آيات الكتاب الحكيم )للتنبيه إلى أن آيات الكتاب من جنس تلك الأحرف - على نحو ما تقدم في السور المبدوءة بالأحرف - واختيار وصف الكتاب هنا بالحكمة ، لأن موضوع الحكمة مكرر في هذه السورة ، فناسب أن يختار هذا الوصف من أوصاف الكتاب في جوه المناسب على طريقة القرآن الكريم . ووصف الكتاب بالحكمة يلقي عليه ظلال الحياة والإرادة ، فكأنما هو كائن حي متصف بالحكمة في قوله وتوجيهه ، قاصد لما يقول ، مريد لما يهدف إليه . وإنه لكذلك في صميمه . فيه روح . وفيه حياة . وفيه حركة . وله شخصية ذاتية مميزة . وفيه إيناس . وله صحبة يحس بها من يعيشون معه ويحيون في ظلاله ، ويشعرون له بحنين وتجاوب كالتجاوب بين الحي والحي ، وبين الصديق والصديق !

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{الٓمٓ} (1)

مقدمة السورة:

سورة لقمان

أخرج ابن الضريس وإبن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال : أنزلت سورة لقمان بمكة ولا استثناء في هذه الرواية وفي رواية النحاس في تاريخه عنه استثناء ثلاث آيات منها وهي ( ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام ) إلى تمام الثلاث فإنها نزلن بالمدينة وذلك أنه صلى الله تعالى عليه وسلم لما هاجر قال له أحبار اليهود : بلغنا أنك تقول : ( وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ) أعنيتنا أم قومك قال : كلا عنيت فقالوا : إنك تعلم أننا أوتينا التوراة وفيها بيان كل شيء فقال عليه الصلاة والسلام : ذلك في علم الله تعالى قليل فأنزل الآيات ونقل الداني عن عطاء وأبو حيان عن قتادة أنهما قالا : هي مكية إلا آيتين هما ( ولو أن ما في الأرض ) إلى آخر الآيتين وقيل : هي مكية إلا آية وهي قوله تعالى : ( الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ) فإن إيجابهما بالمدينة وأنت تعلم أن الصلاة فرضت بمكة ليلة الإسراء كما في صحيح البخاري وغيره فما ذكر من أن إيجابها بالمدينة غير مسلم ولو سلم فيكفي كونهم مأمورين بها بمكة ولو ندبا فلا يتم التقريب فيها نعم المشهور أن الزكاة إيجابها بالمدينة فلعل ذلك القائل أراد أن إيجابهما معا تحقق بالمدينة لا أن إيجاب كل منهما تحقق فيها ولا يضر في ذلك أن إيجاب الصلاة كان بمكة وقيل : إن الزكاة إيجابها كان بمكة كالصلاة وتقدير الأنصباء هو الذي كان بالمدينة وعليه لا تقريب فيهما وآيها ثلاث وثلاثون في المكي والمدني وأربع وثلاثون في عدد الباقين وسبب نزولها على ما في البحر أن قريشا سألت عن قصة لقمان مع ابنه وعن بر والديه فنزلت ووجه مناسبتها لما قبلها على ما فيه أيضا أنه قال تعالى فيما قبل : ( ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ) وأشار إلى ذلك في مفتتح هذه السورة وأنه كان في آخر ما قبلها ( ولئن جئتهم بآية ) وفيها ( وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا ) وقال الجلال السيوطي : ظهر لي في اتصالها بما قبلها مع المؤاخاة في الافتتاح بألم إن قوله تعالى : ( هدى ورحمة للمحسنين الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون ) متعلق بقوله تعالى : فيما قبل : ( وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث ) الآية فهذا عين إيقانهم بالآخرة وهم المحسنون الموصوفون بما ذكر وأيضا ففي كلتا السورتين جملة من الآيات وابتداء الخلق وذكر في السابقة ( في روضة يحبرون ) وقد فسر بالسماع وذكر هنا ( ومن الناس من يشتري لهو الحديث ) وقد فسر بالغناء وآلات الملاهي وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام في ذلك وأقول في الاتصال أيضا : إنه قد ذكر فيما تقدم قوله تعالى : ( وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه ) وهنا قوله سبحانه : ( ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة ) وكلاهما يفيد سهولة البعث وقرر ذلك هنا بقوله عز قائلا : ( إن الله سميع بصير ) وذكر سبحانه هناك قوله تعالى : ( وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون ) وقال عز وجل هنا : ( وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد ) فذكر سبحانه في كل من الآيتين قسما لم يذكره في الأخرى إلى غير ذلك وما ألطف هذا الاتصال من حيث أن السورة الأولى ذكر فيها مغلوبية الروم وغلبتهم المبنيتين على المحاربة بين ملكين عظيمين من ملوك الدنيا تحاربا عليها وخرج بذلك عن مقتضى الحكمة فإن الحكيم لا يحارب على دنيا دنية لا تعدل عند الله تعالى جناح بعوضة وهذه ذكر فيها قصة عبد مملوك على كثير من الأقوال حكيم زاهد في الدنيا غير مكترث بها ولا ملتفت إليها أوصى ابنه بما يأبى المحاربة ويقتضي الصبر والمسالمة وبين الأمرين من التقابل ما لا يخفى .

{ الم تِلْكَ ءايات الكتاب الحكيم } أي ذي الحكمة ، ووصف الكتاب بذلك عند بعض المغاربة مجاز لأن الوصف بذلك للتملك وهو لا يملك الحكمة بل يشتمل عليها ويتضمنها فلأجل ذلك وصف بالحكيم بمعنى ذي الحكمة ، واستظهر الطيبي أنه على ذلك من الاستعارة المكنية . والحق أنه من باب { عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ } [ الحاقة : 1 2 ] على حد لابن وتامر .

نعم يجوز أن يكون هناك استعارة بالكناية أي الناطق بالحكمة كالحي ، ويجوز أن يكون الحكيم من صفاته عز وجل ووصف الكتاب به من باب الإسناد المجازي فإنه منه سبحانه بداً ، وقد يوصف الشيء بصفة مبدئه كما في قول الأعشى :

وغريبة تأتي الملوك حكيمة *** قد قلتها ليقال من ذا قالها

وأن يكون الأصل الحكيم منزله أو قائله فحذف المضاف إلى الضمير المجرور وأقيم المضاف إليه مقامه فانقلب مرفوعاً ثم استكن في الصفة المشبهة . وأن يكون { الحكيم } فعيلاً بمعنى مفعل كما قالوا : عقدت العسل فهو عقيد أي معقد وهذا قليل ، وقيل : هو بمعنى حاكم ، وتمام الكلام في هذه الآية قد تقدم في الكلام على نظيرها .

ومن باب الإشارة : في السورة الكريمة : { الم } [ لقمان : 1 ] إشارة إلى آلائه تعالى ولطفه جل شأنه ومجده عز وجل { الذين يُقِيمُونَ الصلاة } بحضور القلب والإعراض عن السوي وهي صلاة خواص الخواص ، وأما صلاة الخواص فبنفي الخطرات الردية والإرادات الدنيوية ولا يضر فيها طلب الجنة ونحوه ، وأما صلاة العوام فما يفعله أكثر الناس ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم