في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{قُلۡ إِنِّي نُهِيتُ أَنۡ أَعۡبُدَ ٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِۚ قُل لَّآ أَتَّبِعُ أَهۡوَآءَكُمۡ قَدۡ ضَلَلۡتُ إِذٗا وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُهۡتَدِينَ} (56)

56

( قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله . قل لا أتبع أهواءكم . قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين . . قل إني على بينة من ربي - وكذبتم به - ما عندي ما تستعجلون به . إن الحكم إلا لله يقص الحق ، وهو خير الفاصلين . قل : لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم ، والله أعلم بالظالمين ) . .

تحتشد هذه الموجة بالمؤثرات الموحية ، التي تتمثل في شتى الإيقاعات التي تواجه القلب البشري بحقيقة الألوهية في شتى مجاليها . . ومن بين هذه المؤثرات العميقة ، ذلك الإيقاع المتكرر : " قل . . قل . . قل . . " خطابا لرسول الله [ ص ] ليبلغ عن ربه ، ما يوحيه إليه ؛ وما لا يملك غيره ؛ ولا يتبع غيره ؛ ولا يستوحي غيره :

( قل : إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله . قل : لا أتبع أهواءكم . قد ضللت إذا ، وما أنا من المهتدين ) . .

يأمر الله - سبحانه - رسوله [ ص ] ، أن يواجه المشركين بأنه منهي من ربه عن عبادة الذين يدعونهم من دون الله ويتخذونهم أندادا لله . . ذلك أنه منهي عن اتباع أهوائهم - وهم إنما يدعون الذين يدعون من دون الله عن هوى لا عن علم ، ولا عن حق - وأنه إن يتبع أهواءهم هذه يضل ولا يهتدي . فما تقوده أهواؤهم وما تقودهم إلا إلى الضلال .

يأمر الله - سبحانه - نبيه [ ص ] أن يواجه المشركين هذه المواجهة ، وأن يفاصلهم هذه المفاصلة ، كما أمره من قبل في السورة بمثل هذا وهو يق 1 ( أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى ؟ قل : لا أِشهد . قل : إنما هو إله واحد ، وإنني بريء مما تشركون . .

ولقد كان المشركون يدعون رسول الله [ ص ] أن يوافقهم على دينهم ، فيوافقوه على دينه ! وأن يسجد لآلهتم فيسجدوا لإلهه ! كأن ذلك يمكن أن يكون ! وكأن الشرك والإسلام يجتمعان في قلب ! وكأن العبودية لله يمكن أن تقوم مع العبودية لسواه ! وهو أمر لا يكون أبدا . فالله أغنى الشركاء عن الشرك وهو يطلب من عباده أن يخلصوا له العبودية ؛ ولا يقبل منهم عبوديتهم له إذا شابوها بشيء من العبودية لغيرة . . في قليل أو كثير . .

ومع أن المقصود في الآية أن يواجههم رسول الله [ ص ] بأنه منهي عن عبادة أي مما يدعون ويسمون من دون الله ، فإن التعبير ب( الذين )في قوله تعالى :

( قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله ) . .

يستوقف النظر . فكلمة الذين تطلق على العقلاء . ولو كان المقصود هي الأوثان ، والأصنام ، وما إليها لعبر ب " ما " بدل( الذين ) . . فلا بد أن يكون المقصود بالذين نوعا آخر - مع الأصنام والأوثان وما إليها - نوعا من العقلاء الذين يعبر عنهم بالاسم الموصول : ( الذين )فغلب العقلاء ، ووصف الجميع بوصف العقلاء . . وهذا الفهم يتفق مع الواقع من جهة ؛ ومع المصطلحات الإسلامية في هذا المقام من جهة :

فمن جهة الواقع نجد أن المشركين ما كانوا يشركون بالله الأصنام والأوثان وحدها . ولكن كانوا يشركون معه الجن والملائكة والناس . . وهم ما كانوا يشركون الناس إلا في أن يجعلوا لهم حق التشريع للمجتمع وللأفراد . حيث يسنون لهم السنن ، ويضعون لهم التقاليد ؛ ويحكمون بينهم في منازعاتهم وفق العرف والرأي . .

وهنا نصل إلى جهة المصطلحات الإسلامية . . فالإسلام يعتبر هذا شركا ؛ ويعتبر أن تحكيم الناس في أمور الناس تأليه لهم ؛ وجعلهم أندادا من دون الله . . وينهى الله عنه نهيه عن السجود للأصنام والأوثان ؛ فكلاهما في عرف الإسلام سواء . . شرك بالله ، ودعوة أنداد من دون الله !

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{قُلۡ إِنِّي نُهِيتُ أَنۡ أَعۡبُدَ ٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِۚ قُل لَّآ أَتَّبِعُ أَهۡوَآءَكُمۡ قَدۡ ضَلَلۡتُ إِذٗا وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُهۡتَدِينَ} (56)

{ قُلْ إني نُهِيتُ } أمر له صلى الله عليه وسلم بالرجوع إلى خطاب المصرين على الشرك إثر ما أمر بمعاملة من عداهم بما يليق بحالهم أي قل لهم قطعاً لأطماعهم الفارغة عن ركونك إليهم وبياناً لكون ما هم عليه هوى محضاً وضلالاً صرفاً إني صرفت ومنعت بالأدلة الحقانية والآيات القرآنية { أَنْ أَعْبُدَ الذين } أي عن عبادة الآلهة الذين { تَدْعُونَ } أي تعبدونهم أو تسمونهم آلهة { مِن دُونِ الله } سواء كانوا ذوي عقول أم لا . وقد يقال : إن المراد بهم الأصنام إلا أنه عبر بصيغة العقلاء جرياً على زعمهم { قُلْ لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَاءكُمْ } تكرير الأمر مع قرب العهد اعتناء بشأن المأمور به وإيذاناً باختلاف القولين من حيث إن الأول : حكاية لما مر من جهته تعالى من النهي والثاني : ( حكاية ) لما من جهته عليه الصلاة والسلام من الانتهاء عن عبادة ما يعبدون . وفي هذا القول استجهال لهم وتنصيص على أنهم فيما هم فيه من عبادة غير الله تعالى تابعون لأهواء باطلة وليسوا على شيء مما ينطلق عليه الدين أصلاً وإشعار بما يوجب النهي والانتهاء . وفيه كما قيل إشارة إلى عدم كفاية التقليد الصرف في مثل هذه المطالب ، وقيل وهو في غاية البعد إن المراد لا أتبع أهواءكم في طرد المؤمنين .

{ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً } أي إن اتبعت أهواءكم فقد ضللت . وهو استئناف مؤكد لانتهائه عليه الصلاة والسلام عما نهي عنه مقرر لكونه في غاية الضلال . وقرأ يحيى بن وثاب { ضَلَلْتُ } بكسر اللام وهو لغة فيه ، والفتح كما قال أبو عبيدة هو الغالب .

{ وَمَا أَنَاْ مِنَ المهتدين } عطف على ما قبله ، والعدول إلى الإسمية للدلالة على الدوام والاستمرار أي دوام النفي واستمراره لا نفي الدوام والاستمرار ، والمراد كما قيل ، وما أنا إذاً في شيء من الهدى حتى أعد في عدادهم ، وفيه تعريض بأن المقول لهم كذلك .