في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{فَلَنَسۡـَٔلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرۡسِلَ إِلَيۡهِمۡ وَلَنَسۡـَٔلَنَّ ٱلۡمُرۡسَلِينَ} (6)

بينما المشهد هكذا معروضاً في الدنيا إذا السياق ينتقل ، وينقل معه السامعين من فوره إلى ساحة الآخرة . بلا توقف ولا فاصل . فالشريط المعروض موصول المشاهد ، والنقلة تتخطى الزمان والمكان ، وتصل الدنيا بالآخرة ، وتلحق عذاب الدنيا بعذاب الآخرة ؛ وإذا الموقف هناك في لمحة خاطفة :

( فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين . فلنقصن عليهم بعلم ، وما كنا غائبين . والوزن يومئذ الحق . فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون . ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون ) . .

إن التعبير على هذا النحو المصور الموحي ، خاصية من خواص القرآن . . إن الرحلة في الأرض كلها تطوى في لمحة . وفي سطر من كتاب . لتلتحم الدنيا بالآخرة ؛ ويتصل البدء بالختام !

فإذا وقف هؤلاء الذين تعرضوا لبأس الله في هذه الأرض وقفتهم هناك للسؤال والحساب والجزاء ، فإنه لا يكتفى باعترافهم ذاك حين واجهوا بأس الله الذي أخذهم وهم غارون : ( إنا كنا ظالمين ) . .

ولكنه السؤال الجديد ، والتشهير بهم على الملأ الحاشد في ذلك اليوم المشهود :

( فلنسألن الذين أرسل إليهم ، ولنسألن المرسلين . فلنقصن عليهم بعلم - وما كنا غائبين )

فهو السؤال الدقيق الوافي ، يشمل المرسل إليهم ويشمل المرسلين . . وتعرض فيه القصة كلها على الملأ الحاشد ؛ وتفصل فيه الخفايا والدقائق ! . . يسأل الذين جاءهم الرسل فيعترفون . ويسأل الرسل فيجيبون .

/خ25

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{فَلَنَسۡـَٔلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرۡسِلَ إِلَيۡهِمۡ وَلَنَسۡـَٔلَنَّ ٱلۡمُرۡسَلِينَ} (6)

{ فَلَنَسْئَلَنَّ الذين أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ } بيان كما قال الطبرسي لعذابهم الأخروي إثر بيان عذابهم الدنيوي خلا أنه تعرض كما قيل لبيان مبادي أحوال المكلفين جميعاً لكونه أدخل في التهويل . والفاء عند البعض لترتيب الأحوال الأخروية على الدنيوية ذكراً حسب ترتبها عليها وجوداً . وذكر العلامة الطيبي أن الفاء فصيحة على معني فما كان دعواهم في الدنيا إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا فقطعنا دابرهم ثم لنحشرنهم فلنسألنهم ، ووضع على هذا الظاهر موضع الضمير لمزيد التقرير . وقال في «الكشف » : لعل الأوجه أن يجعل هذا متعلقاً بقوله تعالى : { اتبعوا * وَلاَ تَتَّبِعُواْ } [ الأعراف : 3 ] ويجعل قوله سبحانه : { وَكَم مّن قَرْيَةٍ } [ الأعراف : 4 ] الخ معترضاً حثا على الاعتبار بحال السابقين ليتشمروا في الاتباع اه . والأمر عند من جعل الكلام السابق على التقديم والتأخير وادعى أن مجيء البأس في الآخرة سهل كما لا يخفى ، أي لنسألن الأمم قاطبة أو هؤلاء قائلين ماذا أجبتم المرسلين ؟ .

{ وَلَنَسْئَلَنَّ المرسلين } ماذا أجيبوا ، والمراد من هذا السؤال توبيخ الكفرة وتقريعهم ، والمنفي في قوله تعالى : { فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْئَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَانٌّ } [ الرحمن : 39 ] سؤال الاستعلام فلا منافاة بين الآيتين ، وجمع آخرون بينهما بأن للمثبت موقفاً وللمنفي آخر . وقال الإمام : «إنهم لا يسألون عن الأعمال ( أي ما فعلتم ) ولكن يسألون عن الدواعي التي دعتهم إلى الأعمال والصوارف التي صرفتهم عنها » أي لم كان كذا ، وقيل : معنى { لاَّ يُسْئَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَانٌّ } لا يعاقب بذنبه غيره ، وقيل : المراد من الذين أرسل إليهم الأنبياء ومن المرسلين الملائكة الذين بلغوهم رسالات ربهم . وروي ذلك عن فرقد وهو كما ترى ، وقيل : لا حاجة إلى التوفيق فإن المنفى هو السؤال عن الذنب لا مطلق السؤال . ورد بأن عدم قبول دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام ذنب وأي ذنب فسؤالهم عنه ينافيه وفيه نظر .

وتخصيص سؤال المرسلين عليهم السلام بما ذكرنا هو الذي يشهد به الأخبار وتدل عليه الآثار ، وفي القرآن ما يؤيد ذلك فقد قال سبحانه : { يَوْمَ يَجْمَعُ الله الرسل فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ } [ المائدة : 109 ] وتخصيص سؤال الذين أرسل إليهم بما تقدم هو الذي جرى عليه جماعة من المفسرين . وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان الثوري أنه يقال للذين أرسل إليهم : هل بلغكم الرسل ؟ ويقال للمرسلين : ماذا ردوا عليكم . وأخرج أيضاً عن القاسم أبي عبد الرحمن أنه تلا هذه الآية فقال يسأل العبد يوم القيامة عن أربع خصال يقول ربك : ألم أجعل لك جسداً ففيم أبليته ؟ ألم أجل لك علماً ففيم عملت بما علمت ؟ ألم أجعل لك ماًلا ففيم أنفقته في طاعتي أم في معصيتي ؟ ألم أجعل لك عمرا ففيم أفنيته ؟ . وأخرج هو وغيره عن طاوس أنه قرأ ذلك فقال الإمام : يسأل عن الناس والرجل يسأل عن أهله والمرأة تسأل عن بيت زوجها والعبد يسأل عن مال سيده ، ولعل الظاهر أن سؤال كل من المرسل إليهم والمرسلين هنا عن أمر يتعلق بصاحبه ، ولا يأبى هذا أن المكلفين يسألون عن أمور أخر والمواقف يوم القيامة شتى ويسأل السيد ذو الجلال عباده فيها عن مقاصد عديدة فطوبى لمن أحذ بعضده السعد فأجاب بما ينجيه .