( أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار ، وحبط ما صنعوا فيها ، وباطل ما كانوا يعملون )
ولكن ليس له في الآخرة إلا النار ، لأنه لم يقدم للآخرة شيئا ، ولم يحسب لها حسابا ، فكل عمل الدنيا يلقاه في الدنيا . ولكنه باطل في الآخرة لا يقام له فيها وزن وحابط [ من حبطت الناقة إذا انتفخ بطنها من المرض ] وهي صورة مناسبة للعمل المنتفخ المتورم في الدنيا وهو مؤد إلى الهلاك !
ونحن نشهد في هذه الأرض أفرادا اليوم وشعوبا وأمما تعمل لهذه الدنيا ، وتنال جزاءها فيها . ولدنياها زينة ، ولدنياها انتفاخ ! فلا يجوز أن نعجب ولا أن نسأل : لماذا ؟ لأن هذه هي سنة الله في هذه الأرض : ( من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون ) .
ولكن التسليم بهذه السنة ونتائجها لا يجوز أن ينسينا أن هؤلاء كان يمكن أن يعملوا نفس ما عملوه - ونفوسهم تتطلع للآخرة وتراقب الله في الكسب والمتاع - فينالوا زينة الحياة الدنيا لا يبخسون منها شيئا ، وينالوا كذلك متاع الحياة الأخرى .
إن العمل للحياة الأخرى لا يقف في سبيل العمل للحياة الدنيا . بل إنه هو هو مع الاتجاه إلى الله فيه . ومراقبة الله في العمل لا تقلل من مقداره ولا تنقص من آثاره ؛ بل تزيد وتبارك الجهد والثمر ، وتجعل الكسب طيبا والمتاع به طيبا ، ثم تضيف إلى متاع الدنيا متاع الآخرة . إلا أن يكون الغرض من متاع الدنيا هو الشهوات الحرام . وهذه مردية لا في الأخرى فحسب ، بل كذلك في الدنيا ولو بعد حين . وهي ظاهرة في حياة الأمم وفي حياة الأفراد . وعبر التاريخ شاهدة على مصير كل أمة اتبعت الشهوات على مدار القرون .
ولما بين حالهم في الدنيا ، بين حالهم في الأخرى مشيراً بأداة البعد إلى أنهم أهل البعد واللعنة والطرد في قوله نتيجة لما قبله : { أولئك } أي البعداء البغضاء { الذين ليس لهم } أي{[38977]} شيء من الأشياء { في الآخرة إلا النار } أي لسوء أعمالهم واستيفائهم جزاءها في الدنيا { وحبط } أي بطل وفسد{[38978]} { ما صنعوا فيها } أي مصنوعهم أو صنعهم أي{[38979]} لبنائه على{[38980]} غير أساس ؛ ولما كان تقييد الحبوط بالآخرة ربما أوهم أنه شيء في نفسه قال : { وباطل } أي ثابت البطلان في كل من الدارين { ما كانوا يعملون* } أي معمولهم أو عملهم وإن دأبوا فيه دأب من هو مطبوع عليه لأنه صورة لا معنى لها لبنائه على غير أساس ؛ والزينة : تحسين الشيء بغيره من لبسة أو حلية أو هيئة ؛ والتوفية : تأدية الحق على تمام ؛ وحبوط العمل : بطلانه ، من قولهم : حبط بطنه - إذا فسد بالمأكل الرديء .
قوله : { أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار } هؤلاء الذين تبين ذكرهم يوفون أجور أعمالهم في الدنيا وليس لهم في الآخرة إلا النار يصلونها .
قوله : { وحبط ما صنعوا فيها } حبط حبطا وحبوطا ؛ أي بطل ، حبطت الداية حبطا ، بالتحريك : انتفخ بطنها من كثرة الأكل ، أو من أكل ما لا يوافقها . والحباط : وجع البطن من الانتفاخ لكثرة الأكل أو الأكل مالا يوافق{[2064]} . والمعنى : أن ما كان يعمله هؤلاء المشركون والمنافقون والمراؤون من صنعي في الدنيا ليس لهم فيه ثواب ؛ ولكنه ذاهب هدرا بغير قيمة أو حساب ؛ لأنهم ما كانوا يريدون به الآخرة ، إنما أرادوا به الدنيا وزينتها وزخرفها .
قوله : { وباطل ما كانوا يعملون } باطل ، مرفوع ؛ لأنه مبتدأ . و { ما كانوا يعلمون } ، خبر{[2065]} ؛ أي ما كان يعمله هؤلاء غير معتمد به ولا معتبر ؛ بل هو باطل ؛ لأنهم كانوا يعلمون بغير الله ؛ فأبطل الله وأعمالهم{[2066]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.