( إني توكلت على الله ربي وربكم ) . .
ومهما أنكرتم وكذبتم . فهذه الحقيقة قائمة . حقيقة ربوبية الله لي ولكم . فالله الواحد هو ربي وربكم ، لأنه رب الجميع بلا تعدد ولا مشاركة . .
( ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها ) . .
وهي صورة محسوسة للقهر والقدرة تصور القدرة آخذة بناصية كل دابة على هذه الأرض ، بما فيها الدواب من الناس . والناصية أعلى الجبهة . فهو القهر والغلبة والهيمنة ، في صورة حسية تناسب الموقف ، وتناسب غلظة القوم وشدتهم ، وتناسب صلابة أجسامهم وبنيتهم ، وتناسب غلظ حسهم ومشاعرهم . . وإلى جانبها تقرير استقامة السنة الإلهية في اتجاهها الذي لا يحيد :
فهي القوة والاستقامة والتصميم .
وفي هذه الكلمات القوية الحاسمة ندرك سر ذلك الاستعلاء وسر ذلك التحدي . . إنها ترسم صورة الحقيقة التي يجدها نبي الله هود - عليه السلام - في نفسه من ربه . . إنه يجد هذه الحقيقة واضحة . . إن ربه ورب الخلائق قوي قاهر : ( ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها ) . . وهؤلاء الغلاظ الأشداء من قومه إن هم إلا دواب من تلك الدواب التي يأخذ ربه بناصيتها ويقهرها بقوته قهرا . فما خوفه من هذه الدواب وما احتفاله بها ؛ وهي لا تسلط عليه - إن سلطت - إلا بإذن ربه ؟ وما بقاؤه فيها وقد اختلف طريقها عن طريقه ؟
إن هذه الحقيقة التي يجدها صاحب الدعوة في نفسه ، لا تدع في قلبه مجالا للشك في عاقبة أمره ، ولا مجالا للتردد عن المضي في طريقه .
إنها حقيقة الألوهية كما تتجلى في قلوب الصفوة المؤمنة أبدا .
وعند هذا الحد من التحدي بقوة الله ، وإبراز هذه القوة في صورتها القاهرة الحاسمة ، يأخذ هود في الإنذار والوعيد :
فكأنه{[39479]} قيل : هب أن آلهتنا لا شيء ، فما حملك على الاجتراء على مخالفتنا نحن وأنت تعلم كثرتنا وقوتنا وأنت لا تزيد على أن تكون{[39480]} واحداً منا فقال : { إني } أي جسرت{[39481]} على ذلك لأني { توكلت } معتمداً{[39482]} { على الله } الملك المرهوب عقابه الذي لا ملك سواه ولا رب غيره ؛ وبين إحاطة ملكه بقوله : { ربي وربكم } أي الذي أوجدنا ودبر أمورنا قبل أن يخلقنا{[39483]} فعلم ما يعمل{[39484]} كل منا في حق الآخرة لأنه { ما من دابة } أي صغرت أو كبرت { إلا هو آخذ } أي أخذ قهر{[39485]} وغلبة { بناصيتها } أي قادر عليها ، وقد صار الأخذ بالناصية عرفاً في القدرة ، لأن الكل جارون{[39486]} مع مراده لا مع مرادهم بل لا ينفك أحد عن كراهة لبعض ما هو فيه فدل ذلك قطعاً على أنه بغير مراده وإنما هو بمراد قاهر قهره على ذلك وهو الملك الأعلى سبحانه ؛ والناصية : شعر{[39487]} مقدم الرأس ، ومن{[39488]} أخذ بناصيته فقد انقاد لأخذه لا يستطيع ميلاً { إن } أي لأن { ربي } أي المحسن إليّ بما أقامني فيه { على صراط } أي طريق واسع بين { مستقيم* } ظاهر أمره لكل أحد لا لبس فيه أصلاً ولا خلل ولا اضطراب ولا اعوجاج{[39489]} بوجه ، فلذلك كان كل من في الكون يتألهه ويدعو ويخافه{[39490]} ويرجوه وإن اتخذ بعضهم من دونه شركاء ، وأما ما يعبد من دونه فلا يعظمه إلا عابده ، وأما غير عابده فإنه لا يقيم له وزناً ؛ فصح بهذا أنه غالب على كل شيء غلبة{[39491]} يعلمها كل موجود من غير خفاء أصلاً ، فهو مرجو مرهوب بإجماع العقلاء بخلاف معبوداتكم ، والحاصل أنه يلزم الصراط{[39492]} المستقيم الظهور ، فيلزم عدم الاختلاف لانتفاء اللبس ، فمن كان عليه كان عليّ{[39493]} القدر شهير الأمر ، بصيراً بما يريد ، مع الثبات والتمكن ، مرهوب العاقبة ، مقصوداً بالاتباع والمحبة ، من لم يقبل إليه ضل ، ومن أعرض عنه أخذ لكثرة أعوانه وعز سلطانه ، فظهرت قدرته على عصمة من يتوكل عليه وعجز معبوداتهم معهم ، لأن نواصي الكل بيده وهو ربها وربهم ورب كل شيء ، فقد انطبق ختام الآية على قولهم { ما جئتنا ببينة } رداً له لأن من كان على صراط مستقيم لم يكن شيء أبين من أمره ، وعلى جوابه في توكله وما في حيزه أتم انطباق ؛ والناصية : مقدم الشعر من الرأس ، و{[39494]} أصلها الاتصال{[39495]} من قولهم : مفازة تناصي مفازة - إذا كانت متصلة بها .
قوله : { إني توكلت على الله ربي وربكم } { توكلت } ، من التوكل وهو إظهار العجز والاعتماد على غيرك ، والاسم : التكلان ، اتكل على الله توكيل عليه ؛ أي استسلم إليه{[2113]} ؛ أي فوضت أمري إلى الله ، واستسلمت لجلاله فهو مالكي ومالككم وهو يكلأني من شركم وإيذائكم . ويدرأ عني مكركم وسوءكم .
قوله { ما من دابة إلا هو أخذ بناصيتها } الناصية ، مقدم الرأس ، أو شعر مقدم الرأس إذا طال ، وجمعه : النواصي ، والناصيات .
ويقال : أذل فلان ناصية فلان : أهانه وحط من قدره ، وفلان ناصية قومه : شريفهم . قال الرازي في هذا الصدد . اعلم أن العرب إذا وصفوا إنسانا بالذلة والخضوع ، قالوا : ما ناصية فلان غلا بيد فلان ؛ أي أنه مطيع له ؛ لأن كل من أخذت بناصيته فقد قهرته . وكانوا إذا أسروا الأسير فأردوا إطلاقه والمن عليه جزوا ناصيته ليكون ذلك علامة لقهره . فخوطبوا في القرآن بما يعرفون . فقوله : { وما من دابة إلا هو أخذ بناصيتها } أي ما من حيوان إلا وهو تحت قهره وقدرته ومنقاد لقضائه وقدره{[2114]} .
قوله : { أن ربي على صراط مستقيم } صراط الله ، طرقه ومنهجه ، الذي يدعو الناس لاتباعه دون مجانية أو تفريط ؛ فهو المنهج الحق الذي يقضي بين العباد بالعدل والاستقامة{[2115]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.