ثم يضرب الله مثلاً بالذين عنده من الملائكة المقربين : الذين لا ينزغ في أنفسهم شيطان ، فليس له في تركيب طبيعتهم مكان ! ولا تستبد بهم نزوة ، ولا تغلبهم شهوة . ومع هذا فهم دائبون على تسبيح الله وذكره ، لا يستكبرون عن عبادته ولا يقصرون . وللإنسان أحوج منهم إلى الذكر والعبادة والتسبيح . وطريقه شاق ! وطبيعته قابلة لنزغ الشيطان ! وقابلة للغفلة المردية ! وجهده محدود . لولا هذا الزاد في الطريق الكؤود :
( إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته . ويسبحونه . وله يسجدون ) . .
إن العبادة والذكر عنصر أساسي في منهج هذا الدين . . إنه ليس منهج معرفة نظرية . وجدل لاهوتي . إنه منهج حركة واقعية لتغيير الواقع البشري . وللواقع البشري جذوره وركائزه في نفوس الناس وفي أوضاعهم سواء . وتغيير هذا الواقع الجاهلي إلى الواقع الرباني الذي يريده الله للناس وفق منهجه مسألة شاقة عسيرة ؛ تحتاج إلى جهد طويل ، وإلى صبر عميق . وطاقة صاحب الدعوة محدودة . ولا قبل له بمواجهة هذه المشقة دون زاد يستمده من ربه . إنه ليس العلم وحده ، وليست المعرفة وحدها . إنما هي العبادة لله والاستمداد منه . . هي الزاد ، وهي السند ، وهي العون ؛ في الطريق الشاق الطويل !
ومن ثم هذا التوجيه الأخير في السورة التي بدأت بقول الله سبحانه لرسوله الكريم ، ( كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه ، لتنذر به ، وذكرى للمؤمنين ) . . والتي تضمن سياقها عرض موكب الإيمان ، بقيادة الرهط الكريم من رسل الله الكرام ؛ وما يعترض طريقه من كيد الشيطان الرجيم ؛ ومن مكر شياطين الجن والإنس ؛ ومن معارضة المتجبرين في الأرض ، وحرب الطواغيت المتسلطين على رقاب العباد .
ثم علل الأمر بالمراقبة الدالة على أعظم الخضوع بأنها وظيفة المقربين فقال : { إن{[34480]} الذين } وزاد ترغيباً في ذلك بقوله : { عند ربك } أي المحسن إليك بتقريبك من جنابه وجعلك أكرم أحبابه{[34481]} ، وهم الملائكة الكرام أولو العصمة{[34482]} ، والقرب دنو مكانة لا مكان { لا يستكبرون } أي لا يوجدون ولا يطلبون الكبر { عن عبادته } أي الخضوع له والتلبس بانحاء التذلل{[34483]} مع مزيد قربهم وغاية طهارتهم وحبهم { ويسبحونه } أي ينزهونه عن كل مالا يليق مع خلوصهم{[34484]} عن دواعي الشهوات والحظوظ .
ولما كان هذا يرجع إلى المعارف ، وقدمه دلالة على أنه الأصل في العبادة أعمال القلوب ، أردفه بقوله : { وله } أي وحده { يسجدون } أي يخضعون بإثباتهم له{[34485]} كل كمال ، وبالمباشرة لمحاسن الأعمال ، وقد تضمنت الآية الإخبار عن الملائكة الأبرار بثلاثة أخبار : عدم الاستكبار الذي هو أجل أنواع العبادة إذ هو الحامل على الطاعة كما أن ضده حامل على المعصية ، والتسبيح الذي هو التنزيه عن{[34486]} كل مالا يليق ، وتخصيصه بالسجود ، ولما كانت العبادة ناشئة عن انتفاء الاستكبار ، وكانت{[34487]} على قسمين : قلبية وجسمانية ، أشار إلى القلبية بالتنزيه ، وإلى الجسمانية بالسجود ، وهو الحال الذي يكون العبد به عند ربه كالملائكة قرباً وزلفى " أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد " نبه عليه أبو حيان{[34488]} على أن العبادتين مرجعهما القلب ، وإحداهما{[34489]} مدلول عليها بالقول والأخرى بالفعل ، وقد رجع آخر السورة في الأمر باتباع القرآن إلى أولها أحسن رجوع ، ولوصف المقربين بعدم الاستكبار والمواظبة على وظائف الخضوع إلى وصف إبليس بعصيان أمر الله في السجود لآدم عليه السلام على طريق الاستكبار أيّ التفات ، بل شرع في رد المقطع على المطلع حين أتم قصص الأنبياء ، فقوله ولقد ذرأنا }[ الأعراف : 179 ] هو قوله{ والذي خبث لا يخرج إلا نكداً }[ الأعراف : 58 ] يتضح لك ذلك إذا راجعت{[34490]} ما قدمته في المراد منها{[34491]}{ ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها }[ الأعراف : 180 ] هو{[34492]} - { ادعوا ربكم تضرعاً وخفية } و{ ممن خلقنا أمة يهدون بالحق }{[34493]}[ الأعراف : 180 ] - هو{ والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفساً إلا وسعها أولئك أصحاب الجنة }[ الأعراف : 42 ] { والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها }[ الأعراف : 36 ] { وإن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم }[ الأعراف : 185 ] هو{ إذا جاء أجلهم لا يستأخرون }[ الأعراف : 34 ] و{ يسئلونك عن الساعة }{[34494]}[ النازعات : 42 ] هو{ كما بدأكم تعودون }[ الأعراف : 29 ] و{ لكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين }[ الأعراف : 24 ] و{ هو الذي خلقكم من نفس واحدة }[ الأعراف : 189 ] { لقد خلقناكم ثم صورناكم }[ الأعراف : 11 ]
{ إنما أتبع ما يوحى إليّ من ربي }[ الأعراف : 203 ] - إلى آخرها بعد التنفير من الأنداد - هو كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه - إلى قوله :{ ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلاً ما تذكرون }[ ٍالأعراف : 3 ] فسبحان من هذا كلامه ، وتعالى حجابه وعز مرامه ، وعلى من أنزل عليه صلاته وسلامه ، وتحيته وإكرامه .
وقد رجع آخر السورة في الأمر باتباع القرآن إلى أولها أحسن رجوع ، ولوصف المقربين بعدم الاستكبار والمواظبة على وظائف الخضوع إلى وصف إبليس بعصيان أمر الله في السجود لآدم عليه السلام على طريق الاستكبار أيّ التفات ، بل شرع في رد المقطع على المطلع حين أتم قصص الأنبياء ، فقوله ولقد ذرأنا }[ الأعراف : 179 ] هو قوله{ والذي خبث لا يخرج إلا نكداً }[ الأعراف : 58 ] يتضح لك ذلك إذا راجعت ما قدمته في المراد منها{ ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها }[ الأعراف : 180 ] هو - { ادعوا ربكم تضرعاً وخفية } و{ ممن خلقنا أمة يهدون بالحق }[ الأعراف : 180 ] - هو{ والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفساً إلا وسعها أولئك أصحاب الجنة }[ الأعراف : 42 ] { والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها }[ الأعراف : 36 ] { وإن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم }[ الأعراف : 185 ] هو{ إذا جاء أجلهم لا يستأخرون }[ الأعراف : 34 ] و{ يسئلونك عن الساعة }[ النازعات : 42 ] هو{ كما بدأكم تعودون }[ الأعراف : 29 ] و{ لكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين }[ الأعراف : 24 ] و{ هو الذي خلقكم من نفس واحدة }[ الأعراف : 189 ] { لقد خلقناكم ثم صورناكم }[ الأعراف : 11 ]
{ إنما أتبع ما يوحى إليّ من ربي }[ الأعراف : 203 ] - إلى آخرها بعد التنفير من الأنداد - هو كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه - إلى قوله :{ ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلاً ما تذكرون }[ ٍالأعراف : 3 ] فسبحان من هذا كلامه ، وتعالى حجابه وعز مرامه ، وعلى من أنزل عليه صلاته وسلامه ، وتحيته وإكرامه .
قوله : { إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحون وله يسجدون } المرد بالذين عند ربك ، الملائكة . وهم عنده ؛ لأنهم قريبون من رحمته سبحانه . وكل قريب من رحمة الله فهو عنده . وقيل : المراد من كونهم عنده ، التشريف لهم والتكريم ؛ فهذا عبارة عن قربهم في الكرامة وليس في المسافة . أولئك هم الملائكة الأبرار الأطهار الذين يصلون الليل بالنهار وهم في طاعة الله وعبادته والذين تتبرأ طبيعتهم من الاستكبار أو العصيان . { ويسبحونه } أي منشغلون في تعظيمه وتنزيهه عن كل ضعف أو تقص { وله يسجدون } أي يصلون ويتذللون . وهم ماضون على حالهم هذا من دوام التذلل والتخشع والعبادة والتسبيح لا يعرفون العصية أو الملالة أو الكلال{[1614]} .
وهذا موضع سجود للقارئ عند الجمهور . والسجود للتلاوة واجب عند الحنفية ، ومندوب عند الملائكة والشافعية . أما صفة السجود : فإن القارئ يكبر إذا خفض وإذا رفع . وهو قول الشافعية والحنبلة . والمشهور من مذهب مالك أنه يكبر للسجدة في الخفض والرفع في الصلاة . أما على من يتوجه حكم السجدة ؛ فقد أجمعوا على أنه يتوجه على القارئ في الصلاة أو غير الصلاة . أما السامع ؛ فهو عليه أن يسجد عند أبي حنيفة ؛ ومالك في رواية عنه .
على أن السجود للتلاوة يحتاج إلى الصلاة من طهارة حدث وتجس ونية استقبال قبلة . وأما من حيث الوقت : فإنه يسجد في سائر الأوقات مطلقا ؛ لأنها صلاة لسبب . وهو قول الشافعي وآخرين . وقيل : لا يسجد في الأوقات المنتهي عن الصلاة فيها . وهو قول أبي حنيفة ومالك . وليس لسجدة التلاوة من سلام . وهو قول جمهور أهل العلم . وذهب آخرون إلى أنه يسلم منها{[1615]} .